الحديث عن إعادة إحياء النظام الإسلامي بواقعه الحضاري الذي يرخي بظلاله على حركة الحياة وواقعها، يحيلنا إلى السؤال عن كيفية إعادة إحيائه، ورغم أنَّ النبيَّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – لم يحدد بنصٍّ ملزم شكل الدولة أو النظام السياسي الإسلامي، الذي يجب أن يسير عليه المسلمون، ورغم أن الإسلام لم يحدد نظام حكمٍ بعينه يجب اتباعه، فإنَّ الكثير من الحركات الإسلامية المعاصرة التي تشكِّل الفكر السياسي الإسلامي المعاصر تستدعي – عند الحديث عن إعادة إحياء النظام الإسلامي – مسألة الخلافة حصرًا دون النظر إلى السياق التاريخي الذي أوجدها، بوصفها نظامًا يقيم المرجعيَّة الإسلاميَّة في السياسة والاجتماع، مما أدى إلى عجزٍ ظاهرٍ عند الحركات الإسلامية في إبداع، وتقنين نظريات سياسية بديلة تراعي الواقع المعاصر.

والظاهر أنَّ هذه النزعة الفكريَّة عند بعض التيارات الإسلامية ناتجٌ من عدم التفرقة بين النظام وبين المقاصد المرجعية، التي جاء النظام كي يحققها، فالنظام نفسه ليس وحيًا ولا دينًا ولا شريعة إلهيَّة ثابتة، ولا يلبس ثوب الوجوب الشرعي والفريضة، والحديث هُنا عن نظام الخلافة بوصفه فرضًا واجبًا على المسلمين – ينبغي عليهم استنساخه كلًّا واحدًا – ينقل المسألة برمتها من دائرة من دائرة الفقهيات السياسية إلى دائرة أصول الاعتقاد، رغم أنَّ علماء الأصول والكلاميات يعدون الخلافة تقع في دائرة الفروع من أحكامٍ ومعاملات، ولا علاقة لها بحال بأحكام العقائد.

يقول أبو حامد الغزالي في كتابه فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة:«إن النظريات قسمان: قسمٌ يتعلق بأصول القواعد وقسمٌ يتعلق بالفروع، وأصول الإيمان ثلاثة الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر، وما عداها فروع» ويعلق أن ما عداها من الفروع – ومنها السياسة والإمامة – يندرج تحت اطار الخطأ والصواب لا الكفر والإيمان كما هو الحال مع الأصول فيقول: «واعلم أنَّ الخطأ في أصل الإمامة، وتعيينها وشروطها، وما يتعلق بها لا يوجب شيءٌ منه التكفير»، فالإمامة ليست مبحثًا من مباحث أصول العقيدة عن أهل السنَّة على خلاف الشيعة، الذين جعلوا الإمامة ونظام الحكم من أصل العقيدة وذلك بما ينسجم مع تاريخهم الفكري.

والقرآن الكريم لم ينص على وجوب أنَّ يكون هناك شكلًا سياسيًّا معينًا أو نظامًا بعينه تسير عليه دولة الإسلام، فهو بهذا يتعارض مع منطق كون الإسلام صالحًا لكل زمانٍ ومكان، بل تركها تندرج تحت إطار الفرعيات والنظم التي تتيح للعقل الإنساني أن يجدد فيها وفق القواعد الكليَّة والأطر الحاكمة للدين الإسلامي.

إذًا فالخلافة نظام جاء ليحقق المقاصد المرجعيَّة للدين الإسلامي، والنظام هو الآليَّات والوسائل والتراتيب التي تبتدعها جماعة من الناس لتحقيق مقاصد دين أو مرجعيَّة فكرية أو فلسفةٍ معينة ووضعها في إطار التطبيق في واقع الحياة، وقد جاءت الخلافة كنظامٍ أبدعه المسلمون ليحقق المقاصد المرجعيَّة الإسلامية في الدولة والسياسة والاجتماع وهي: تحقيق وحدة الأمة وتكامل دار الإسلام وإقامة المرجعية الدينية الإسلامية.

وبهذا يكون النظام – الذي يحقق المقاصد – وضعًا بشريًّا مدنيًّا ومتطورًا بما يناسب الواقع المعاش، محكومٌ بأصول الدين الكليَّة وفلسفة الإسلام كمرجعيَّة في الإبداع والتقنين، ومن هُنا، وبهذا الفهم فقد انفتح المسلمون في أوجِ حضارتهم يتفاعلون مع الأمم ويقتبسون من مواريث حضاراتهم وخبراتهم الإنسانيَّة نُظمًا تحقق مقاصد الإسلام المرجعية، ومن ذلك تدوين الدواوين عن الروم كنظامٍ يحقق كفاءة فريضة الجهاد، ومن ذلك أيضًا وضائع كسرى كنظامٍ يحقق فريضة العدل الإسلامي في الاقتصاد الإسلامي، مع الحفاظ على التمايز الإسلامي في الأصول الكليَّة والمرجعيات الحاكمة.

وينبغي القول هُنا أنَّ إسلامية النظام لا تجيء من كونه مستنسخًا من تجربة إسلامية سابقة، بل يكون إسلاميًّا بقدر ما يكون أكفأ وأقدر في تحقيق المقاصد الإسلامية الكليَّة تبعًا لمتطلبات الواقع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد