ما هي الخلافة؟ وما الفرق بينها وبين الدولة؟ ما لا يفهمه الكثير من الإسلاميين أنّ “الدولة” شيء، و”الخلافة” شيء آخر. الدولة كيان سياسي يشمل كلّا من: الأمة، السلطة، والأرض. أمّا الخلافة فهي وظيفة القيادة السياسية والشرعية للأمة الإسلامية أجمع بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام. الدولة بمضمونها الفاعل (الأمة – السلطة – الأرض) كانت موجودة قبل وجود “الخلافة الراشدة”. الخلافة شيءٌ لاحِقٌ على وجود الدولة بوصفها هذا، بكلمات أخرى: هي استخلاف قيادة سياسية تقود الأمة وتدير شؤونها السياسية بعد النبيّ عليه الصلاة والسلام. الدولة تقوم أو تنتقل من قيادة لأخرى بامتلاك مضامينها الفعليّة (الأمّة – السلطة – الأرض)، والخلافة تقوم من خلال البيعة عن طريق شورى الأمة أو ما يمثّل أكبر قدر منها.

 

من يرى أنّ الدولة تقوم بمجرّد البيعة لتسمّى دولة؛ مخطئٌ تمامًا، ومن يرى أنّ الخلافة تتحقّق ببيعة بضعة أفراد منعزلين عن شورى الأمة أو أهل حلّها وعقدها؛ مخطئٌ تمامًا. وانظر إلى ذلك التلازم اللطيف بين “جماعة المسلمين” و”الإمام” الذي هو الخليفة في حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذي رواه حذيفة: “تلزم جماعة المسلمين وإمامهم”؛ فلا إمام إلا بجماعة المسلمين، ولذلك فهناك خطوات تسبق الحديث عن تنصيب خليفة، وهي تحقيق “جماعة المسلمين” التي تمثّل وحدتهم، وتحقيق “تمكين” ممثّلا بدولة ذات سيادة، تكون على مستوى قيادة الأمة الإسلامية، من حيث مركزيّتها وقوّتها وتمثيلها لسواد الأمة.

 

لأنّ “الخليفة”: وظيفة سياسية وشرعية مرتبطة بهذا السياق، سياق وجود جماعة ودولة ممكّنة للأمة الإسلامية، وأي حديث عن تنصيب “خليفة” وإعلان “خلافة” قبل تحقيق هذه الجماعة والدولة الممكّنة بمضمونها الحقيقي فهو أشبه ما يكون بوضع العربة أمام الحصان!

ما هو الموقف من حدود سايكس بيكو؟

خ2

مشكلة الإخوة الذين يرفعون شعارات: إقامة الخلافة، تكسير سايكس بيكو.. وغيرها من الشعارات التعبوية أنّهم لا يفرّقون بين مستويين من الخطاب:
– مستوى الإجابة عن “ما ينبغي أن يكون”.
– مستوى الإجابة عن “كيف نتعامل مع ما هو كائن”؟

 

في المستوى الأول يقع تقرير القواعد الشرعية المعتبرة كوجوب وحدة الأمة تحت قيادة واحدة وعدم التفريق بينها بحدود جغرافية. في المستوى الثاني تقع “السياسات العملية” التي تهدف إلى تفكيك أزمات الواقع واجتيازها للتقدّم نحو المستوى الأول، لا التراجع عنه.

 

الخلط بين المستويين قد يؤدّي إلى “التراجع” عن الأهداف، لا “التقدّم” نحوَها. على سبيل المثال: مطلب إلغاء الحدود الاصطناعية بين بلاد المسلمين هو مطلب شرعي نبيل، لكن الوقوف عند هذا المطلب وتحويل شعار “تكسير الحدود” إلى إستراتيجية وحيدة في العمل لوحدة الأمة؛ قد يؤدّي إلى عكس ذلك تمامًا، أي إلى تفتيت الأمة زيادة على ما هي عليه من تجزئة وتفرّق.

 

مثال: عدد الدول العربية اليوم هو نحو 23 دولة؛ تفرّق بينها حدود فرضها الغرب المحتلّ منذ نحو قرن وحافظ عليها من خلال عملائه خلال عقود، تشكّلت فيها هويّات دخيلة على الأمة وكيانات سياسية تحاكي نموذج الدولة الحديثة، فهي واقع راسخ لا يمكن إزالته بسهولة، حتى لو آمنّا بضرورة ذلك. لو قام تنظيم إسلامي ما باقتطاع جزء من إحدى الدول المشتعلة بالأزمات والضعف وأعلن فيه دولة (بغضّ النظر إذا ما كانت تحمل مقوّمات دولة في العصر الحديث أم لا) زاعمًا أنّه لا يأبه لحدود سايكس بيكو الاصطناعية؛ فما هو المآل الذي أفضى إليه عمله هذا؟

 

المآل ببساطة هو زيادة عدد الكيانات السياسية إلى 24 كيانًا بدلا من 23، فإذا أضفنا إلى ذلك اغتصاب حقّ الأمة في تلك الناحية في تقرير مصيرها السياسي (أعطى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لقادة المدينة من الأوس والخزرج الحقّ في تقرير مصير مدينتهم السياسي من خلال البيعة التي تمثّل قومهم، فتأمّل!) إذا أضفنا اغتصاب حقّ الأمة إلى زيادة التفتيت الجغرافي إلى إقامة نموذج لا يحمل مقوّمات دولة تنوء بتكاليف التمكين وإعادة أمجاد الأمة إلى غيرها من “البلاوي”؛ فنحن أمام واقع حزبي لم يتقدّم خطوة واحدة نحو الوحدة والتآلف والاجتماع التي أمر بها الله عزّ وجلّ في كتابه!

من يحمل خطاب “ما ينبغي أن يكون” (المستوى الأول) دون أن يحمل خطاب “كيف نتعامل مع ما هو كائن” (المستوى الثاني)؛ يتحرّك بطريقة مضادّة للأهداف التي يعلنها في “الشعارات”، والسبب: إغفال الخطاب السياسي الذي مضمونه هو التحرّك باتجاه الأهداف من خلال الفرص المتاحة في الواقع، مع مراعاة هذا الواقع ومآلات كلّ حركة فيه.

 

هل ستعود الخلافة قريبا؟

خ1

هذا التساؤل هو عنوان عريض لزخم إعلامي غربي ملاحظ، خصوصا من قبل الدوائر اليمينية والصهيونية. أعتقد أنّ علينا قراءة هذا الزخم الإعلامي الغربي في مقالات تتحدّث عن “عودة الخلافة” وتصريحات لمسؤولين أمريكيين وغيرهم بعمق أكبر ممّا نراه اليوم. فمنذ سنوات طويلة لا زال الكثير من الإخوة يردّدون أسطوانة قديمة مفادها: “أرأيتم، ها هم الكفار موقنون بعودة الخلافة..” وما شابه ذلك. ما أقوله: إنّ القراءة السطحية الأحادية على مدى سنوات طويلة لظاهرة متكررة يعكس خللًا في التفكير، والإصرار الإعلامي الغربي على تكرار تلك الظاهرة وممارستها مع فرح الكثير من الإسلاميين بها يعكس كذلك أمرًا علينا التفكير فيه، أي التفكير في مصلحة القائمين على الأجهزة الإعلامية الغربية من الترويج لهذا الكلام الشعاراتي في معظمه والبعيد عن واقع الأمة وما تعيشه من تخلّف وأزمات ونكبات.

 

إحدى القراءات التي أميل إليها هي أنّ أجهزة الإعلام الغربية تريد ربط مصطلح “الخلافة” وإعادتها بمشاريع همجية متخلّفة منفّرة لكلّ عاقل، فتكسب بذلك تشويه هذا المصطلح النبوي الشريف، وحصره في نطاق ضيّق بخلاف حقيقته الشرعية التي تعبّر عن قيادة سياسية للأمة أجمع، وعن نشوء حضارة عالمية رائدة تقود البشرية من جديد نحو الإيمان والفلاح والنماء، وتضع الإنسان في المكان الذي يليق به. ولن يظنّ إلا مغفّل أنّ المشاريع التي ينسب الغرب إليها الخلافة (كمشروع داعش مثلا) ستحقّق هذه الأهداف العظيمة، ثم إذا فشل هذا المشروع، الذي لا يحمل شروط الاستمرارية وبناء الحضارة فضلًا عن بناء دولة حقيقية؛ يُنسب ذلك إلى فشل مشروع الخلافة!

وهكذا؛ تكون هذه الظاهرة الإعلامية التي تتحدّث عن “قرب عودة الخلافة” ممارسة إعلامية غربية تُبعد الأمة عن الخلافة الراشدة!

 

(للمزيد حول الموضوع أرجو مراجعة الدراسة التي نشرتها بعنوان “التغلب والشورى والأمة وشبهات المبطلين”).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات