لا أريد أن أبث الخوف في قلوبكم من عنوان قد أستعرض فيه بلاغة لغوية، لكني لا أتحمل مسؤولية الخوف الذي قد يصيبكم عندما أستعرض لكم بعضًا من واقعنا الذي نعيشه، واقعنا الذي نراه يزداد سوءً يومًــا بعد يوم من خليج عربي لم يبق من عروبته إلا الاسم، إلى يمن سعيد لم يبق من سعادته شيء، مرورًا بمصر كانت في وقت قريب أم الدنيا، وهي الآن تصارع الخيانة من خير أجناد الأرض، وصولًا لعراق جريح وقدس ضائع وشام تداعت عليه الأمم.

إذا ما أضعنا شامها وعراقها .. فتلك من البيت الحرام مداخله

وكما تحدثت سابقًا في أحد مقالاتي عن الحديث الشريف: كما تكونوا يولى عليكم، ارتأيت الحديث وسط هذه الفوضى عن أنفسنا، عن أمتنا بعيدًا عن حكوماتنا الديكتاتورية وولاة أمورنا الذين جعلوا الخيانة قدس أقداس العرب، يقول المفكر الجزائري مالك بن نبي المتخصص في علم الاجتماع في حديثه عن مشكلة الأفكار في مجتمعاتنا العربية والإسلامية: (إن الإنسان يعيش في ثلاثة عوالم مختلفة: عالم الأفكار، عالم الأشخاص وعالم الأشياء، فلكل حضارة عالم أفكارها وعالم أشخاصها وعالم أشيائها وغياب أحدهم يؤدي لغياب الحضارة”) ويقصد بعالم الأفكار مجموعة المعتقدات والمبادئ والقيم التي تترسخ في عقول أفراد مجتمع ما في لحظة تاريخية معينة، أما عالم الأشخاص فيقصد به عالم العلاقات والنظم والقوانين التي تنظم حياة الأفراد داخل المجتمع وتربط بينهم، أما عالم الأشياء فالمقصود به هو كل ما يتنجه المجتمع من بنى تحتية إلى المنشآت الصناعية والزراعية وغيرها من المنتجات والخدمات المحسوسة منها أو الملموسةـ (المادية منها أو المعنوية)، وإن مجرد إسقاط كلام بن نبي على مجتمعاتنا العربية يقودنا للجواب عن أسئلة عديدة أبرزها أسباب التخلف وغياب الحضارة بمعناها الإسلامي وما نتج عن ذلك من غزو فكري كبير وإفلاس أخلاقي وثقافي وتربوي نعيشه منذ قرابة الـ30 سنة صاحبه كل هذا العجز الاقصادي والديكتاتورية السياسية، فعالم الأفكار أصبح كصحراء قاحلة، اختلت فيه المبادئ والقيم وتشبهنا بغيرنا من الأمم حتى صرنا إذا سلكوا حجر ضب سلكناه كما قال سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، أما عالم الأشخاص وما فيه من علاقات وقوانين قد طغى عليه الفساد والمحسوبية والرشوة والطغيان والجور والظلم وغيرها، أما عالم الأشياء فلا صناعة لنا ولا زراعة وأغلبنا نعيش على قطرات النفط تلك على أمل أن تدوم لنا أبدًا.

     سيجف هذا النفط فوق جلودنا .. ونودع السبع السمان ونلتقي ألفا عجاف

غير أن المشاهد والمتمعن في كلام المفكر مالك بن نبي قد يرى جزء من الكأس الممتلئ، قد يرى بصيص أمل في التغييرـ، في إحداث النهضة المرجوة والحضارة الغائبة عن أمتنا منذ 4 قرون، لكن التساؤل هو من أين تكون البداية؟ من أي العوالم قد نزرع بذرة الصحوة لتصبح نهضة والنهضة تنمية والتنمية عدالة؟ ومع مقارنة العوالم الثلاثة نلاحظ جيدا أن المجتمع الذي يحتوي على عالم أفكار متطور ذي مبادئ وقيم ثابتة وصحيحة بإمكانه خلق عالم أشياء جديد باقتصاده وصناعته وزراعته، وهذا ما لا نجده في العكس، فعالم الأشياء المتطور لا يعطينا بالضرورة عالم أفكار متطور، من جهة أخرى فعالم الأفكار والقيم الصحيحة ينتج من خلاله عالم أفراد متكامل بعلاقاته وقوانينه، وقد طبق الإسلام هذه العملية في بداياته وفي تعامله مع الجاهلية التي كانت تعاني وتعيش اختلالًا في العوالم الثلاث، فما كان من الإسلام إلا أن بدأ بعالم الأفكار فصحح القيم والمفاهيم الوثنية التي كانت سائدة في ذلك الوقت، ثم انتقل إلى الخطوة الثانية، وهي محاولة دفعهم للتفكير وإعمال العقل والتأمل في خلقه سبحانه وتعالى، تصحيح عالم الأفكار هذا سهل عملية بناء عالم الأشخاص والأشياء فكانت أول دولة إسلامية في المدينة المنورة.

دائمًا ما أقول: إنه لابد لظلمة الليل أن تنتهي ولابد لنسمات الفجر أن تغير مناخ حياتنا، وأفضل فرصة لبداية التغيير هي عندما يفلس الحاضر، دون أن ننتظر من غيرنا أن يقوم بالتغيير بدلًا عنا، فيكفينا أننا مدججون بخير الرسالات وأقيمها، وخير الأمم وأشرفها، فقم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد