لقد كان القرن الماضي – القرن العشرون – قرنًا للصراع والتنافس الفكري والأيديولوجي على بنية السلطة والمجتمع ونمط الحياة وتشكيلها وحركتها وطبيعة العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية داخلها، حيث برز في بداية القرن صراعًا بين الشيوعية كأيديولوجيا عابرة للهويات، وتريد أن تصبغ المجتمع بكل مكوناته وأشكاله وثقافاته وعلاقاته بصبغتها، وبين القومية التي كانت ردة فعل على عدد من التصرفات غير المسؤولة من قبل الدولة العثمانية والدولة التركية الحديثة وكذلك محاكاة للغرب وتطوره على يد بعض الحركات القومية التي حكمت في بعض الدول – إيطاليا / ألمانيا – وجاءت أيضا لتحرير الشعوب من الاستعمار الغربي، وكذلك لتستفيد من النظرية الاقتصادية الاشتراكية التي قدمتها الشيوعية آنذاك، ظل هذا الصراع إلى منتصف القرن الماضي تقريبًا، وكان الرجحان فيه للقومية باعتبارها حركة تحرر أكثر من اعتبارها أيديولوجيا، ما لبثت أن تحولت بعد النصف الثاني للقرن إلى أيديولوجيا حكمت أكثر من دولة عربية أو إسلامية، وأثناء ذلك كان الإسلاميون منقسمين إلى عدة أقسام، ويمكن إجمالهم كالآي:

1- المنسحبون عن بنية المجتمع وتفاصيل حياته، وهم (الصوفية)، فانتشرت بينهم الخرافات والدجل والشعوذة والجهل والابتعاد عن الحياة والتركيز على بعض العلوم، ولكنهم بقوا بعيدين عن الحكم وآلياته، بل إنهم يوجبون طاعة الحاكم الموجود في البلد الذي يتواجدون فيه انطلاقًا من (فقه الحاكم المتغلب) الموجود في الفقه الاسلامي التقليدي وعدم جواز الخروج عليه.

2- التقليديون الذين يميلون إلى البقاء على ما كان، وإنه (ليس بالإمكان أبدع مما كان) وهؤلاء علماء الدين الذين تحولوا إلى (رجال دين) بالمعنى الحرفي والاصطلاحي للكلمة، وهم أيضًا بقوا بعدين عن الحكم وتنظيراته، وإن كان معظهم أصبح من العلماء المؤيدين لحكام قوميين أو وطنيين أو حتى علمانيين، بل ربما طغاة، ويبررون أفعالهم، وهم من يسمون بطبقة (علماء السلطان).

3- الحركيون: وهؤلاء لم يرضوا بأن يوجه المجتمع تلك الحركات الايدلوجية (الشيوعية / القومية / العلمانية..) وخاصة بعد إعلان سقوط الخلافة في تركيا 1924 وقبلها بعقود، وبالانحرافات التي عان منها الرجل المريض (الدولة العثمانية) فبرزت عدد من الحركات الراديكالية كان أولها:

ا- الوهابية: وهي حركة كانت ترتدي ثوب الإصلاح الديني، وخاصة في مجال العقائد، ما لبثت أن تحولت إلى حركة تحكم وتدخل في شؤن الحكم بعد تحالف مؤسسها (محمد بن عبدالوهاب) مع مؤسس الدولة السعودية الحديثة (محمد بن سعود) وتنصيبه إمامًا للمسلمين مع وجود الإمام الأصلي للأمة آنذاك، وهو السلطان العثماني، وبهذا كانت انشقاقًا عن الدولة؛ فبدأت تمارس أدبياتها (وهي أدبيات اعتمدت كثيرًا على آراء ابن تيمية وابن القيم ومدرستهما الفقهية والعقائدية) في الحكم، وهي تطبيق تقليدي للفقه الإسلامي الأقرب إلى المذهب الحنبلي، ولكنها (ألبست الأحكام الفقهية بعدًا عقائديًا)؛ فوقعت في مشكلة (التكفير) للمجتمع الذي ولدت فيه، فارتكبت عددًا من المجازر والفضائع التي كان بالإمكان أن تعد جرائم حرب لو حدثت في وقتنا الحالي.(1)

ثم تطورت هذه الحركة وأصبحت الآن لها دولة تدعمها، وهي الدولة السعودية الحديثة، وبالتالي تعد هذه التجربة في الحكم هي تمازج مصالح بين (مذهب ديني ورجالاته ومصالحه) وبين رجال سلطة (آل السعود)، وربما هي أقرب إلى الدولة الثيوقراطية منها إلى الدولة ذات المقاصد الكبرى (الحرية، العدل، التنمية، العمران، الرحمة) فهي تفتقد إليها.

وبالرغم من ذلك فقد تطور هذا الفكر، وتحول بعد ظهور الدول الجغرافية والوطنية والقومية إلى فكر عابر للهوية والحدود؛ فأصبح فكرًا ينسب نفسه إلى السلف الصالح رضي الله عنهم (السلفية)، وامتزج بعض منه مع أفكار حركة الإخوان المسلمون؛ فأنتج حركات أصبحت معارضة لحكم (آل سعود)، بل معارضًا لكل الأفكار والأيديولوجيات الموجودة في المنطقة، كما أنه لم يقبل بظهور الدول الجغرافية والقومية، فحاربها وناصبها العداء، مثل فكر (القاعدة) والذي أنتج (طالبان) في أفغانستان مع تجاوز إشكالية التوريث للسلطة في الدولة السعودية الحديثة، ومارست طالبان الحكم وفقًا للطريقة التقليدية للحكم في كتب الفقه وارتكبت أبشع أنواع الجرائم والقتل وحكمت على المجتمعات التي ليست تحت حكمها بالردة وأصبحت الحياة في أفغانستان حياة مرعبة ومؤلمة جدًا وانعدمت الحريات وتوقفت عجلة التنمية التي كان بالإمكان أن تبدأ بعد أن انسحب الروس منها.

ثم تطور هذا الفكر بعد دخوله الألفية الثالثة فانقسم إلى عدة أقسام:

1- السلفية الجهادية: وهي التي تؤمن باقامة دولة الخلافة، ومنها (القاعدة /داعش / النصرة..) وقد اختلطت أفكارهم نوعًا ما بأفكار سيد قطب المنظر لحركة الإخوان المسلمين، ويعد (داعش) أو ما يسمى دولة العراق والشام الإسلامية هي النموذج النهائي للحكم وفقًا لرؤية هذه الجماعة؛ حيث أعلن قائدها (الخلافة) وطالب الناس ببيعته، واعتبر الأرض التي يسيطر عليها (أرض إسلام) وما سواها أرض كفر، ولم تر البشرية إجراما كالإجرام الذي قامت به هذه الدولة المزعومة.

2- السلفية التقليدية: وهم الذين يرون بوجوب طاعة الحاكم الموجود في البلد الذي يقيمون فيه، ولا يجوز الخروج عليه حفاظًا على حياة الناس، أما من ناحية الفقه والعقائد، فلا تختلف عن الوهابية الأصلية في شيء (وهم السلفية الجامية، السلفية المدخلية، والسلفية المردئة).

3- السرورية: منهج يقوم بالمزج بين شخصيتين إسلاميتين هامتين هما ابن تيمية وسيد قطب، فالمنهج السروري أخذ من ابن تيمية موقفه السلفي الصارم من المخالفين للسنة ومن الفرق والمذهب الأخرى مثل الشيعة، فالمنهج السروري استمد إذًا من ابن تيمية (المضمون العقائدي)، وأما سيد قطب فأخذوا منه دعوته (الثورية) وآمنوا ايمانًا تامًا بأفكاره عن الحاكمية، وجاهلية المجتمع.(2)

___________________________________________________________________________________________________________

(1) راجع تاريخ الجبرتي ولماذا هدمت الخلافة لعبدالقديم زلوم
(2) السلفية السرورية.. مزج بين فكر ابن تيمية وحركية الإخوان القطبية

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد