تحدثنا من قبل عن بعض الضوابط في عملية الثقافة، واليوم نتكلم عن بعد آخر في عملية الثقافة، ألا وهو (أثر) الثقافة في حياة الأفراد والمجتمعات، على أن نستكمل بقية الضوابط في وقت لاحق بمشيئة الله تعالى.

 

ذكرنا من قبل تعريف ماثيو أرنولد (1822- 1888م) للثقافة بأنها: محاولتنا الوصول إلى الكمال الشامل عن طريق العلم بأحسن ما في الفكر الإنساني، مما يؤدي إلى رقي البشرية.

 

وعرفها د. محمد عمارة – حفظه الله- بأنها كل ما يُسهم في عمران النفس وتهذيبها، فالتثقيف من معانيه: التهذيب، وإذا كانت المدنية هي تهذيب الواقع بالأشياء، فإن الثقافة هي تهذيب النفس الإنسانية بالأفكار، وكلاهما عمران: عمران للواقع، وعمران للنفس.

إذن فعملية الثقافة لا بد أن يكون لها (هدف)، ولا بد أن يكون لها (أثر)، وإلا صارت هذه الأفكار والنظريات مجرد (ترف) فكري وعقلي لا غرض منه ولا منفعة سوى (التسلية)!

 

وأول آثار (الثقافة) تظهر على المثقف نفسه، تظهر في طريقة تفكيره وتقييمه للأمور، وتظهر أيضًا في صفاته وأخلاقه! فسلوك المثقف وأخلاقه عنوان لثقافته، ودليل على (سلامة) منهجه. وأي اعوجاج أو اختلال في شخصية المثقف لهو برهان على فساد بضاعته! وقديمًا قالوا: يا معشر القراء يا ملح البلد… ما يصلح الملح إذا الملح فسد؟

 

وقال مَخْلَد بن الحسين (ت 191هـ) لعبد الله بن المبارك (118- 181هـ = 736- 797م): “نحن إلى كثير من الأدب أحوج منّا إلى كثير من الحديث”. والعوام يقولون: “الأدب فضلوه على العلم”.

 

فسوء خلق بعض (المتثقفين) – حتى أن بعضهم يتباهى ببذاءة لسانه- دليل على فساد ثقافته! لأنها إن لم تستطع أن تهذبه هو وتصل به إلى (الرقي) البشري، و(تهذب) نفسه بالأفكار، فلن تستطيع مع غيره، وكل إناء بما فيه ينضح!

أما عن أثر الثقافة على مجتمع (المثقف)، فإن (المثقف) الذي يعيش منطويًا في بيته، عاكفًا على كتبه، منعزلاً عن مجتمعه، يعيش لنفسه، تاركًا أبناء مجتمعه في ظلمات من الجهل لهو أشد جهلاً منهم!

ولقد ضرب القرآن مثلاً لمن يحمل معرفة ولا تنفعه! فشبهه القرآن بـ “الحمار يحمل أسفارًا”! قال تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)[الجمعة:5]. فشبه القرآن اليهود الذين كُلفوا العمل بالتوراة والقيام بأوامرها ونواهيها، ثم لم يحملوها أي لم يعملوا بما فيها من أحكام، كمثل حمار يحمل على ظهره أسفارًا من كتب العلم النافع، وهو لا يعقل ما يحمل، ولا يدرى ماذا على ظهره من الخير، وذلك لأنه لا يفهم.

 

فالمثقف – الحق- لا يعيش في استعلاء كاذب على من حوله، بل يعيش متعلقًا بهموم مجتمعه وقضاياه، مهما كلفه هذا الأمر. وفي هذا يقول نعوم تشومسكي: “المثقف هو من حمل الحقيقة في وجه القوة”! فالمثقف هو من يحمل شعلة التغيير، ويمهد طريق النهضة، ويقوم سبل الإصلاح!

وهذا ما آمن به وقام به المرحوم د. عبد الوهاب المسيري (1938 – 2008م) القائل: “إن المثقف.. لابد أن يكون في الشارع”! وهل ننسى كيف تم الاعتداء الغاشم عليه – رحمه الله- في مظاهرات حركة كفاية إبان حكم حسني مبارك، ولم يرحمه منهم كبر سنه أو مرضه!

 

إذن فمهمة المثقف أن يغير من قناعات الناس، وأن يصحح أفكارهم، ويصوب آراءهم! لذا من الطبيعي أن يكتسب المثقف عدواة (بعض) من لا يرضى عن هذا الدور، ولا يعجبه، وفي مقدمة هؤلاء الطغاة المستبدين! يقول عبد الرحمن الكواكبي (1265- 1320هـ = 1849- 1902م): “إن بين الاستبداد والعلم حربًا دائمةً وطرادًا مستمرًا: يسعى العلماء في تنوير العقول، ويجتهد المستبدُّ في إطفاء نورها، والطرفان يتجاذبان العوام. ومن هم العوام؟ هم أولئك الذين إذا جهلوا خافوا، وإذا خافوا استسلموا”.

أما المثقفون الذين يقضون أوقاتهم بمناقشة غوامض الأفكار والفلسفات، تاركين قضايا أمتهم ومجتمعاتهم، معرضين عن المشاكل الفكرية والثقافية لعوام الناس، فهم أشبه ما يكونوا بالبيزنطيين! حينما كانوا يتحاورون في (جنس) الملائكة، والعدو على أبواب بلدتهم، حتى اجتاحها!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد