تحدثنا من قبل عن أصل كلمة (ثقافة) في اللغة العربية واللغات الغربية، واصطلحنا على إطلاقها على كل ما له صلة بالجوانب الفكرية والعقلية والقيمية لمجتمع ما مع تفاعلاتها في مقابل الجوانب المادية والتكنولوجية والتي تطلق على (الحضارة). ثم رصدنا تلك الحالة (الشاذة) لبعض المنتسبين إلى الثقافة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية والتي أصبحت ثقافتهم أشبه بما عُرف عند الغربيين أنفسهم بـ (الثقافة المضادة) والتي تسير معارضة للقيم والثوابت السائدة في المجتمع. وحاولنا أن نضع بعض (القوانين) و(الضوابط) الثقافية والتي تحكم عملية الثقافة، وكان أول هذه الضوابط هو (مثقف على سنة الله وسوله) ومفاده أن نقبل من (الثقافات) ما يتوافق مع ثوابتنا ونعده من قبيل (المشترك الإنساني العام) ونرفض ما يتعارض معها.

 

وثاني تلك الضوابط أو أولها – إن شئت الدقة – هو قوله تعالى (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ). والعجيب أن هذه الآية هي أول ما أُنزل من القرآن! أي أنها أول رسالة من الله تعالى للبشرية في هذا الدين الخاتم! ووجه العجب أن هذا الأمر نزل على رسول أمي وأمته أمة أمية لا تقرأ ولا تحسب! وفي هذا إشارة إلى أن هذا الدين هو دين العلم والتعلم وكيف لا؟ والقرآن قد سمى حال البشرية قبل نزول القرآن وقبل انتشار الإسلام بالجاهلية! والجهل نقيض العلم! قال تعالى (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ).

 

وقد جاءت الرسالة الأولى في القرآن (اقْرَأْ) مقيدة بقيد ومشروطة بشرط .. وهو (بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ). ومعنى اقرأ باسم ربك أي اقرأ ما أُنزل إليك من القرآن مفتتحًا باسم ربك الذي خلق، وليس معناه فقط أن تقرأ القرآن مفتتحًا بالبسملة ولكن أن تقرأ عامة مفتتحًا ومنطلقًا من عقيدتك! وكل قراءة ليس فيها هذا الشرط فهي قراءة ولكن ليس بإسم الله الذي خلق!

فمثلًا: الأيديولوجية الماركسية Marxism والتي قامت على أفكار المفكر الألماني اليهودي كارل ماركس (1818- 1883م) والذي انطلق في تفسيره للحياة الإجتماعية من (فرضية) رئيسية قوامها أن المادة هي الحقيقة الوحيدة في الكون! وأن الفكرة وليدة المادة! وبناء عليه فإن (كل) الظواهر الاجتماعية لا تقبل إلا التفسير المادي! وبذلك عُرفت الفلسفة الماركسية بالفلسفة المادية Materialism والتي أخذ يطبقها ويفسر بها كل شيء! وعُرفت أيضًا (بالمادية التاريخية) وذلك تبعًا لكونها تقدم تفسيرًا لتطور المجتمعات أو تفسيرًا لتاريخ البشرية باعتباره تاريخ (الصراع) حول ملكية أدوات وعوامل الإنتاج المادية.

وهكذا انطلقت الماركسية والتي شغلتنا في ستينيات القرن الماضي من (فرضية) مخالفة للشرط والقيد الذي جاء في الرسالة الإلهية الأولى (بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)، فقد رفضت الماركسية فكرة (الدين) بل وأخذت موقفًا معاديًا للأديان واعتبرتها بمثابة أفيون للشعوب! ومع ذلك وجدنا من أبناء المسلمين قديمًا وحديثًا من ينتهج هذه الأيديولوجية وينادي بها! ويحاول أن يصور الماركسية على أنها مذهب اقتصادي فحسب! وهذا أمر غير صحيح لأن لهذا المذهب جذور فلسفية وأيديولوجية تجعل من الصعب الفصل بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبعد الفلسفي لهذا المذهب المعارض للأديان.

 

ثم تأتي ثالث تلك الضوابط الثقافية وهي “التنوع سنة كونية والتمايز سنة نبوية”.

 

فقد قال تعالى (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ). قال صاحب الظلال: “لو شاء الله لخلق الناس كلهم على نسق واحد، وباستعداد واحد .. نسخًا مكرورة لا تفاوت بينها ولا تنويع فيها. وهذه ليست طبيعة هذه الحياة المقدرة على هذه الأرض. وليست طبيعة هذا المخلوق البشري الذي استخلفه الله في الأرض. ولقد شاء الله أن تتنوع استعدادات هذا المخلوق واتجاهاته. وأن يوهب القدرة على حرية الاتجاه. وأن يختار هو طريقه، ويحمل تبعة الاختيار. ويجازى على اختياره للهدى أو للضلال.. هكذا اقتضت سنة الله وجرت مشيئته” .

إذن اقتضت السُّنة الكونية حالة التنوع والإختلاف الإنساني، ولكن في خضم هذا الاختلاف والتنوع الإنساني حرصت السُّنة النبوية على (تمايز) الفرد المسلم والأمة الإسلامية عن غيرهم من الأفراد والأمم!

 

فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ وَفِرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ) ، وقال: (خَالِفُوا الْيَهُودَ فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ وَلَا خِفَافِهِمْ). وقال: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ وَلَا بِالنَّصَارَى فَإِنَّ تَسْلِيمَ الْيَهُودِ الْإِشَارَةُ بِالْأَصَابِعِ وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الْإِشَارَةُ بِالْأَكُفِّ).

 

بل وتنبأ النبي صلى الله عليه وسلم بحالة (التبعية) التي ستصيب الأمة في مراحل استضعافها! فقال: (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ.قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فَمَنْ) .

 

فتيارات التغريب Westernization التي اجتاحت المجال الثقافي والفكري لأمتنا وتهدف إلى (صبغ) حياة الأمم والمجتمعات بالصبغة الغربية، والتبعية لكل ما هو غربي وأجنبي، قد جرفت أفكارنا ثم زرعت أفكارها ثم حصدت ولا زالت تحصد ما بذرته وزرعته!

 

فرفاعة الطهطاوي (1216-1290هـ =1801-1873م) الذي أرسله محمد علي (1769- 1849م) على رأس البعثة المصرية إلى فرنسا (1324هـ= 1826م) حرصًا على أبناء البعثة المصرية من الذوبان في المجتمع الغربي! والذي عاد – مرشد البعثة! – مبهورًا ومشحونًا بالثقافة الغربية وعاداتها والتي سطرها في كتابه المشهور “تخليص الإبريز في تلخيص باريز”. ويعتبر الطهطاوي هو أول بذرة في شجرة التغريب في مصر .

وطه حسين (1307- 1393هـ =1889- 1973م) الذي دعا صراحة إلى أن نسير على خطى أوروبا مناديًا بـ: “أن نسير سير الأوروبيين، ونسلك طريقهم، لنكون لهم أندادا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة: خيرها وشرها، حلوها ومرها، ما يحب منها وما يعاب”! ووصل به الحال أن يقول: “إن علينا أن نأخذ من الغرب كل شئ حتى القذى في عينيه”! ويؤكد ذلك بقوله: “نريد أن نتصل بأوروبا اتصالا يزداد قوة من يوم إلى يوم، حتى نصبح جزءا منها، لفظا ومعنى، حقيقة وشكلا”.

وأستاذ الجيل أحمد لطفي السيد (1288- 1382 هـ = 1870 – 1963م) صاحب العبارة المشهورة “مصر للمصريين” الذي كان يقول: “لست ممن يتشبثون بوجوب تعليم دين بعينه أو قاعدة أخلاقية معينة. ولكني أقول بأن التعليم العام يجب أن يكون له مبدأ من المبادئ يمشي عليه المتعلم من صغره إلى كبره. وهذا المبدأ هو مبدأ الخير والشر وما يتفرع عنه من الفروع الأخلاقية!” ودعوته إلى العلمانية واستعمال اللغة العامية! واعتماده على سياسة المنفعة لا العواطف في مساعدة الدول الإسلامية الأخرى! وتعظيمه لكل ما هو غربي. وهو صاحب سياسة التعليم المختلط بين البنين والبنات في المرحلة الجامعية .

وفي عصرنا هذا يدعو بعض (المتثقفين) إلى (ضرورة) الاحتفال بذكرى الغزو الفرنسي لمصر (1213هـ= 1798م)! متذرعين بالاحتفال بالمجمع العلمي والمطبعة الفرنسية ونسوا – أو تناسوا – دماء المصريين وخيول الفرنسيين في الجامع الأزهر!
يتبع ،،،

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد