من أهم التخصصات التي اعتمدتها أوروبا ودعمت علماءها، ومفكريها، وباحثيها، معنويًا وماديًا للدراسة، والبحث فيها منذ أول احتكاك بين الغرب المتخلف في عصور الظلام والشرق الإسلامي، الذي كانت حضارته نجمًا لامعًا في سماء العلم، وذلك بعد الحروب الصليبية الطاحنة بين المسلمين والنصارى، مجال العلوم والدراسات الإنسانية، وخاصةً (علمي الاجتماع والنفس)، وذلك للوقوف على طبيعة فكر وتوجهات الإنسان على أي بقعة ما ودراسة الظواهر المجتمعية ككل في البلاد التي يحتلها الغرب الصليبي حتى يتثنى لهم الهيمنة والسيطرة على هذه البلاد.

إن أدق التفاصيل التي دونها الرحالة والمستشرقون النصارى عن الشرق الإسلامي كانت بمثابة دراسات بحثية ميدانية تكشف مدى صلابة وقوة الشعوب وقابليتها للاستعباد والرضوخ والاستسلام للغزاة، وساعدت هذه الدراسات (دراسة الحالة النفسية للمجتمعات الإسلامية ) صناع القرار من جوقة الساسة والحكام في شن الحروب وغزو عالمنا الإسلامي.

ولقد نجحت المخابرات الغربية، وخاصةً بريطانيا، ومن بعدها أمريكا في تنفيذ أجندتها في أكثر من ملف، وأديرت الأزمات التي خلقتها بأياديها على نحو ما تريد، وذلك لتحقيق النتائج التي تحتاجها حتى تستمر في السطوة على العالم ككل.

والتاريخ يزخر بالعديد من الأمثلة التي فُعلت وذلك بعد الإفراج عن الوثائق التي خبأها الإنجليز في أرشيفهم الزاخر بكم لا مثيل له من المؤامرات والدسائس ومشاريع الهدم لدولة الإسلام، ثم كشفوا عنها في وقتنا الحاضر، ليكتشف العالم كما كنا مغفلين، وكم من أكذوبة انطلت علينا، ولكن للأسف دون جدوى لأن أمتنا لا تستنفر لدراسة التاريخ والماضي.

إن سيناريوهات الانقلابات العسكرية التي شكلت خريطة كلًا من الشرق الإسلامي (بداية من الانقلاب على مصدق بإيران 1953 – عملية أجاكس – ونهاية بانقلاب مصر 2013 )، وكذلك انقلابات أمريكا الجنوبية تبين أنها كانت مخططة ومرتبة، وأعددت إعدادًا جيدًا في أقبية المخابرات، وإلى جانب التدخل العسكري كان هناك تدخل فكري وأيديولوجي على الأرض، ودشنت فرق في الأجهزة الأمنية المخابراتية لبث أخبار وأفكار يجعل الممسك بالريموت يتحكم في حركة الشعوب وإدارتها على نحو ما تريده السلطة، فصناعة الخبر وإطلاق الدعاية السوداء، وبث الرعب من شيء ما وتصوريه على أنه خطر، وتخويف المجتمع، وإلهاؤه عما هو أهم في حياته، كانت وسائل استخدمت وأثبتت نجاحها قبل ذلك.

والمطلع على التاريخ يجد أن ما فت في عضض الأمة الإسلامية لم يكن السيف الذي رفعه أعداؤها عليها، بل كانت دعاوى بث الفرقة بين المسلمين والتخندق حول ما يسمى بالحركات القومية التي انبعث صداها في دولة الخلافة الإسلامية في آخر أيامها، فالحركة الطورانية التي أنشأها اليهودي موئيز كوهين والقومية العربية التي اخترعتها أمريكا ونفذ فكرتها ضابط المخابرات الأمريكي كيرميت روزفلت وأعطاها لجمال عبد الناصر كاملةً، وكذلك البعث العربي الذي أسسه ميشيل عفلق وزكي الأرسوزي كل هذه الأفكار كانت المسمار الذي دقه الصليبيون في نعش دولة الخلافة الإسلامية العثمانية التي حكمت ثلاثة أرباع العالم، وأجزاءً ومساحات كبيرة من أوروبا، وتمتعت بتنوع ليس له مثيل في العرقيات، والإثنيات، والطوائف والمذاهب، والإتجاهات، والتوجهات الفكرية، وصاغت تجربةً لا مثيل لها في حكم العالم بالقيم والأخلاق المستقاة من الشريعة الإسلامية؛ مما جعل أوروبا حاقدةً عليها وتريد إسقاط هذه التجربة الإسلامية الفريدة التي امتدت لأكثر من ألف و400 عام.

بعد تقطيع أواصل العالم العربي والإسلامي، خشيت أمريكا من الحرية التي قد تتاح للمسلمين؛ مما يجعل خياراتهم تضاد مصالحها وأطماعها في بلادهم.

فستهرع الشعوب لاختيار من يعبر عن هويتها الإسلامية وثقافتها العربية، فكان لابد عن خلق تيارات فكرية تضاد فكرة الأممية الإسلامية التي تجمع كل خلق الله في صعيد واحد وتحت لواء واحد، ولا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح.

بعد تدشين الحركات العلمانية في بلاد المسلمين علة أيدي اليهود وانتشار المحافل الماسونية في الإمبراطورية الإسلامية العثمانية، بداية من حزب تركيا الفتاة والاتحاد والترقي، وانتهاءً بالحركة الكمالية (نسبة لمصطفي كمال أتاتورك) المستقاة من الفكر الطوراني الذي كان نظريًا، وقام أتاتورك بجعله واقعًا عمليًا، وفي 3 مارس (أذار) 1923 تم هدم الكيان الجامع للمسلمين، وانتهى الحكم بوحي السماء، أو ما تبقى من الشرع الإسلامي، وأُعلنت عن الجمهورية، وأسقط الخلافة الإسلامية ليكون مولانا السلطان عبد المجيد الثاني بن عبد العزيز بن محمود الثاني بن عبد الحميد الأول آخر خليفة للمسلمين علة وجه الأرض.

ونجحت أفكار الغرب الصليبي في تفتيت الوحدة الإسلامية ونجح في تقطيع أواصر الحب والمودة التي كانت تجمع أطياف المسلمين على اختلاف أعراقهم وجنسياتهم، ولكن كانوا متحدين تحت لواء واحد، وصاروا بعد ذلك مللًا، ونحلًا، وطوائف، وقوميات، وشركاء متشاكسين، لاهم حافظوا على هويتهم الإسلامية التي طالما ارتقوا بها وسادوا العالم، ولا أفادتهم الأفكار المستوردة التي زرعها الغرب فيهم.

وصدق الإمام الشافعي حين قال: «لن ينصلح حال آخر هذه الأمة إلا بما انصلح أولها.. القرآن والسنة».

فهل يا ترى وعت الأمة الدرس، واستفادت بعد أن تأكدت أن دعوى القومية العربية، والقومية التركية، والقومية الكردية، ما هي إلا نبت شيطاني خرج من رحم الاحتلال؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد