استهلال
ظهر الاهتمام بالحركة الإسلامية الفاعلة والمؤثرة في المشهد السياسي عالميًا بعد أحداث 11سبتمبر، وحدث في هذه الفترة الحرجة نوع من الفوضى في التحليل أدى بشكل أو بآخر إلى عدم التمييز بين الإسلام كدين وبين جماعات وتنظيمات معينة تتخد من بعض الاجتهادات في تفسير وتطبيق الشريعة الإسلامية مرتكزًا لها. ويُرجع كثير من المؤرخين نشأة الحركة الإسلامية بثوبها “الإسلام السياسي” بسقوط الخلافة الإسلامية 1928، إلا أن كثيرًا غيرهم يرى الأمر أبعد من هذا الحدث الجلل بكثير؛ حيث يرى بعضهم أن الإسلام السياسي نشأ بعد وفاة المعصوم – صلى الله عليه وسلم – فتحول الأمر من طور النبوة المعصومة إلى طور البشر الخطّائين والتي ظهرت بذرتها ليلة (السقيفة)، وتحولت لفتنة عمياء يوم (الجمل)، ثم نشبت حرب هوجاء يوم (صفين) والذي قُتل فيها ما يقارب سبعين ألفًا من الأخيار الأطهار بسبب خلاف في الرأي السياسي، ولازال المسلمون يعانون من هذا المأزق التاريخي حتى الآن حيث تغلبت القوة على الحق والملك على الخلافة والبغي على العدل، وسُفكت الدماء، وقُتل الأبرياء، ونبتت بذور الغلو والتطرف والتكفير، وحُكمت الأمة بالقوة وتقسمت وتشتت نسيجها وتمزق شملها وتفتتت وحدتها.

 

المأزق التاريخي
لا يختلف اثنان على أن الحركة الإسلامية تعيش الآن لحظة تاريخية فارقة من عمرها الوجودي والميداني، بعد هزيمتها في كثير من الدول العربية، والتضييق عليها، وتنحيتها عن صدارة مشهد “الربيع العربي” من قبل الأنظمة الديكتاتورية الحاكمة وداعميها من العرب والعجم، تارة بالوسائل القمعية كالانقلاب العسكري على التجربة الديمقراطية، وتارة أخرى بالانقلاب الديمقراطي على المسار الثوري.

وهنا سأحذو حذو “يوهانس لاستر” عندما تكلم عن الحركة الإسلامية في سوريا، فلم يتكلم إلا عن جماعة الإخوان المسلمين، عصب الحركة الإسلامية، وتيارها الحاشد الفاعل في أمواج السياسة الإقليمية والدولية، وثوبها الميداني في “الإسلام السياسي” في العصر الحديث.

لا ينكر أحد أن الإخوان المسلمين أمام خيارات صعبة ومؤلمة، لمواجهة الحملة الشرسة عليها إقليميا ودوليا، برعاية وتمويل خليجي ودعم غربي وأمريكي، في ظل غيابها كفاعل رئيسي وتنحيها عن صدارة المشهد السياسي والميداني في العراق وسوريا واليمن، لصالح قوى وجماعات أخرى كتنظيم الدولة وجبهة النصرة والتنظيمات المسلحة السنية والشيعية في العراق وسوريا، وتنظيم أنصار الله الحوثي في اليمن. ورغم هذا لازالت اللاعب الرئيسي في مصر وتونس بعد الانقلاب العسكري والديمقراطي عليها في كلتا الدولتين مع الدولة العميقة بثورتها المضادة.

أحلاها مر
فلا خيار أمام الحركة الإسلامية في مصر والتي تعد الحركة الأم الأقوى والأكبر في العالم الإسلامي إلا في ثلاثة خيارات أحلاها مر لأن لكل منهم ثمنًا وتكلفة كبيرة جدًا سواء على مستوى الحركة نفسها أو على مستوى الأمة بأثرها.

الخيار السلمي

ومن خيارات الإخوان في هذه المرحلة في مصر، هو العمل السياسي والنضال السلمي، من خلال المساحة التي تسمح بها الدولة القومية وحدود “سايكس بيكو”، وهذا الخيار تكمن مميزاته في أنه طريق معلوم وواضح، ويحافظ على عدم الوقوع في أنهار من الدماء والأشلاء ويحافظ على بيضة الدولة وشوكتها، إلا أن له مثالب وعيوبًا كثيرة منها:

-طريق طويل وشاق، وتكلفته عالية جدا في الأنفس والأموال والحريات، مقارنة بنتائجه مما يزيد من الإحباط الشبابي، وعدم القدرة على الاستمرار الثوري نتيجة القمع الشديد الذي تمارسه الطغمة العسكرية الحاكمة وأدواتها الأمنية.

-نتائجه غير ملموسة وبعيدة ومحددة من خلال الإطار الإقليمي والدولي.

-الرضا بأدوات اللعبة السياسية ومحدداتها الدولية والإقليمية واللعب من خلالها وعدم تجاوز الخطوط الحمراء الموضوعة كمحددات وإطار.

ولكي ينجح هذا الخيار ويظهر أثره ونخرج من حالة الركود الميداني الحالي يتوجب على الإخوان المسلمين أن يقدموا تنازلات للمعارضة السياسية والقوى الثورية بدلا من أن تتصالح مع النظام وتتنازل للثورة المضادة وحلفائها وهذا ما أرجحه وأتمنى حدوثه:

-التنازل عن مطلب عودة د/مرسي ودستور 2012
-الفصل بين العمل الحزبي لحزب الحرية والعدالة والعمل الدعوي والتربوي والاجتماعي لجماعة الإخوان المسلمين.
-تقديم ضمانات حقيقية لرفقاء الميدان بعدم الترشح للرئاسة والبرلمان لفترة عشر سنوات قادمة.
-دعم المسار الثوري وعدم تصدره وقيادته.

الخيار الجهادي المسلح

أما عن الخيار الثاني فهو الخيار الأشد صعوبة وخطورة على الجميع، خيار العمل الجهادي المسلح. فلك أن تتخيل أن تنظيمًا قويًا وكبيرًا ومتماسكًا مثل تنظيم جماعة الإخوان المسلمين أُذن له بحمل السلاح والجهاد في سبيل الله وحريته ووطنه وفي سبيل المستضعفين المقهورين والمظلومين في العالم العربي والإسلامي.

فكيف سيكون الوضع آنذاك؟!

ورغم أن هذا الخيار له مميزات عديدة، مثل إيلام الظالم والنكاية فيه، وتقديم نموذج جهادي رسالي، والنتائج السريعة والمضمونة ووهج إنجازه الكبير، وجذب الأنصار والأتباع، والسيطرة على مساحات كبيرة من أدوات اللعبة ومفرداتها إلا أن له مثالب عديدة أيضا:

-أنهار من الدماء والأشلاء والتضحيات الجسيمة من الأرواح والأنفس والأموال والأعراض.

-الخلفية التاريخية كما في الجزائر والسودان ومصر التسعينات والنظرة الواقعية كما في سوريا وليبيا واليمن والعراق والفعل الإقليمي والدولي الحالي، والسيطرة الأمريكية والغربية على مفاتيح العالم العربي والإسلامي يشهدون بفشل المسار _وإن ظهرت نجاحات وقتية قصيرة_وعدم نجاحه وصعوبة استكماله.

-تقسيم المقسم وتفتيت المفتت وهتك بيضة وشوكة الأمة واللعب على وتر الطائفية والعرقية والإثنية المفرقة.

-عدم قراءة الواقع الدولي والتصادم معه والنزاع معه وخلق تحالفات إقليمية ودولية لحشد كل الطاقات والإمكانيات للحرب ضدك.

-تشويه الصورة النموذجية للجهاد الرسالي الذي يحرر العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد دون أن يستعبدوا مرة أخرى من قبل المليشيات المسلحة والتي تسمي نفسها زورا وبهتانا حركات جهادية.

الانعزال والانكماش

والخيار الثالث أمام الحركة الإسلامية والذي يعد الأسهل لها ولأفرادها وأبنائها وهو الرجوع خطوة للوراء وترك العمل السياسي تماما، حفظا لها ولأبنائها وللدماء والعمل على البناء الفكري والثقافي لأفرادها للاستعداد للحظة الفارقة والانغماس وسط المجتمع بعيدا عن الطوباوية الحالمة في الأفكار والأهداف والوسائل. وهذا المسار وإن كان سهلا إلا أنه يخالف أفكار الجماعة وأهدافها في الوصول للحكم من خلال العمل السياسي. ولكي ينجح هذا المسار لابد للجماعة أن تنفض عنها غبار الموروث الفكري والحركي للممارسة الميدانية وتقوم بغربلة تصورها الكامل ونقد ثوبها الفكري والحركي والوسائلي.

فأي الخيارات ستختار وأي المسارات ستسير فيها الحركة الإسلامية؟!

غير أن هناك مسارًا رابعا، ولا أعده من ضمن خيارات الحركة الإسلامية، لأنه خيار كارثي على الجميع أيضا، وأولهم الحركة الإسلامية، هذا الخيار هو الرضا بالأمر الواقع، والمصالحة مع النظام القائم، وذلك بتجاوز القصاص لدماء الشهداء، وضمان خروج آمن للقادة العسكريين الملوثة أيديهم بدماء المصريين، والقبول بتعويضات لأهالي الشهداء، مع اللعب في المساحة السياسية الديكورية التي ستتاح لها مع الإفراج عن المعتقلين السياسين ومنهم قيادات الحركة.

وأتخيل أنه من الصعب على قيادات الحركة القبول بهذا الخيار المفروض من قبل الشباب الهائج والمسيطر على ردة فعل الحركة ومتصدر مشهدها، وأتوقع أنها ستترك الزمن ليكون جزءا من العلاج بعد حالة من الإحباط والتخبط واليأس من تأزيم المشهد وانسداد الأفق السياسي والحل الميداني، ووقتها سنقوم جميعا بتشييع جنازة الحركة الإسلامية ومبادئها وأفكارها في انتظار

المولود الجديد

وحتى إشعار آخر فالأرض ممهدة الآن ومعبدة ومهيأة لانتظار مولودها الجديد الذي يسد الثغرة الآن، والأحداث حبلى، والمخاض عسير، والأمة في أشد الحاجة لمولود جديد كامل مكتمل غير مشوه بالواقع المرير للإسلاميين، ولا أسير ضربات الماضي الأليم للمسلمين، مولود همه الإسلام – والإسلام فقط -، وجماعته المسلمون – كل المسلمين -، ونطاقه الأمة – كل الأمة -، وانحيازه للإنسان – كل الإنسان – فمن سيكون المولود الجديد؟ ومتى سيولد؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد