«الفتوحات الإسلامية سياسية وليست إسلامية». هكذا يطالعنا كبير أئمة الأوقاف بمحافظة الدقهلية نشأت زارع في مقالة له حول الفتوحات الإسلامية، رابطًا بينها وبين المصالح الساسية، مؤكدًا على أن الفتوحات الإسلامية لم يكن وراءها خدمة للإسلام بقدر ما كانت تهدف وتبتغي مطامع سياسة توسعية.

لعل هذا الطرح الذي ذهب إليه نشأت زارع، يحيلنا من زاوية أخرى إلى التساؤل عن العلاقة بين الفتوحات الإسلامية، والاستعمار الحديث بحثًا عن مكامن الاتفاق.

الفيافي على مد البصر، والترحال سنة موجبة، لا مكان للاستقرار إلا لمامًا، المساكن من الوبر، والمئونة بضع تمرات ولبن، ولحم ضأن أو رئم لا يُظفر به إلا بعد مكابدة وقطع للصحاري جيئة وذهابًا، والحياة سكر ولهو وبعض من الإبل. في ظل هذه الظروف وضمن هذه السياقات بدأت الدعوة المحمدية. هذا يطرح من منظور آخر سؤالًا جوهرًا: هل نشأة الرسالة المحمدية في جزيرة العرب عامة وقريش خاصة تحكمه منطلقات؟

إن النفسية التكوينية للعقل العربي في ظل الظروف المعيشية التي تطرقنا إليها، إضافة إلى بساطة التفكير العربي الذي لم يكن حينها يعرف علومًا طبيعية ولا تفسير الظواهر الكونية مهدت السبيل وبسطت الطريق لاسقبال هذا النوع من الرسالات العقائدية الذي يلخص الحياة في مجموعة شرائع وعبادات، في الامتثال لها يكون الجزاء لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وقد جُمعت في الرسول محمد خصال قلما تجتمع في رجل واحد، فكان ذلك منطلقًا أساسًا للدعوة المحمدية، «وهذه الأفكار لا بد أن تمتلك قوة سِرِّية ندعوها الهيبة أو الاحترام، وهي نوع من الجاذبية التي يمارسها فرد ما على روحنا وتملأها بالدهشة والاحترام، وقد تكون هذه الهيبة مُكتَسَبة إما عن طريق الاسم أو الثروة أو الشهرة، وقد تكون ذاتية أو شخصية وتشكل مَلَكة مستقلة عن كل لَقَب أو كل سُلطة، وتجعل مَن حوله يطيعونه طاعة عمياء كما تطيع الدابة المتوحشة مروِّضها».

إنه الصادق الأمين هكذا طُبع اسم محمد في نفوس العرب، إنها الجاذبية التي فرضت على ثلة من متبعيه ومناصريه الدهشة والاحترام له، بل إنه من هذا المنطلق أشعل فتيل الفتوحات الإسلامية قبل وفاته، فتم ذلك بعد مماته؛ حيث كان يتنبأ على المسلمين بفتح الشام والعراق، والغنائم من كنوز فارس والروم: «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض».

يذهب فرج فوذة في كتابه «الحقيقة الغائبة» إلى أنه بعد وفاة الرسول انتهى زمن الإسلام، وبدأ عصر المسلمين. إذ إنه بعد وفاة الرسول سيكشف المسلمون عن وجه آخر تمثل في جهاد الطلب الذي سيطبع الفتوحات الإسلامية بطابع الغزو التوسعي، إنه الإستعمار الحديث في جبة دينية عقائدية.

معلوم أن الاستعمار مصطلح أطلق على السياسة التوسعية التي نهجتها الدول الأوروبية، والذي كان يهدف إلى التحكم بمصير الأمم واستغلال خيراتها ونهب ثرواتها، إضافة إلى طمس هوياتها الثقافية والدينية. غير أن مفهوم الإستعمار مفهوم محور؛ ذلك أنه يعني إعمار الأرض وإصلاحها. مفهوم استخدمته الدول الأوروبية لتبرير احتلالها للشعوب والأمم وتضليل الرأي وبسط السيطرة. هي نفس الفكرة التي امتطتها الفتوحات الإسلامية لكن بتغيير المصطلحات، غير أن المغزى والمقصد واحد، من الاستعمار إلى الإصلاح البشر، إخراج الناس من الظلمات إلى النور، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

بعد أن دانت قبائل العرب للمسلمين، لم يعد لهم شغل شاغل سوى توسيع الرقعة الإسلامية، والعمل على تحقيق نبوءة الرسول محمد، فتحول بذلك الجهاد حسب كتب الفقه الإسلامي من جهاد الدفع إلى جهاد الطلب؛ من الدفاع عن مهد الإسلام إلى جهاد الغزو وطلب أراض جديدة، والتغلغل الجغرافي.

ما معنى أن يكون البلد مُستعمَرًا؟ معناه أن الدولة المُستَعمِرة تصبحُ المتحكمة في دواليب السياسة والحكم، وأن الدولة المُستعمَرة تابعة سياسيًا واقتصاديًا لمركز الدولة المُستعمِرة، مع ما لازم هذا من فرض لثقافة المُستعمِر وطمس لثقافة المُستعمَر. إنها المنطلقات نفسها التي تبنتها الفتوحات الإسلامية، حيث تقتضي أدبيات الفتح أن البلاد المفتوحة تخضع لحكم المسلمين، وإلى الشريعة الإسلامية يرجع الفصل في الخصومات، ومن زاوية أخرى يتم مقايضة الحياة بالجزية، الحفاظ على معتقدك الديني مرهون بدفع الجزية وإلا فالقتل يحيط بأعناق المتمردين على هذه الشروط.

إن الفتوحات الإسلامية منذ نواتها الأولى في خلافة أبي بكر وصولًا إلى الخلافة العثمانية وما ضُمَّ خلال هذه الفترة التاريخية من أراض شاسعة طبعت بطابع استعماري سياسي في المقام الأول تحت ذريعة نشر الدين وتعاليمه، فصودرت بذلك خيرات البلاد المفتوحة لصالح الدولة الفاتحة، وامتلأت خزائن بيت المال بالأموال الطائلة الوفيرة، هذا إلى جانب اصطفاء السبايا والمتاجرة بالأسرى والعبيد. هو الاستعمار ملفوف بالعقيدة.

صورت لنا كتب التاريخ الإسلامية على أن الشعوبية من أكثر الأمراض التي عرفتها الدولة الإسلامية، وذلك من أجل تبيان مدى نقمة العجم على العرب من منظور عرقي قومي، بيد أن ظهور الشعوبية كانت من ورائه أسباب وعلل. يذهب بعض المؤرخين إلى أن بوادر ظهور الشعوبية بدأت منذ قتل عمر بن الخطاب على يد أبو لؤلؤة النهاوندي الفارسي قصدا منهم في ترسيخ فكرة أن الشعوبية ناقمة على العرب ولما حققوه بعد أن كانوا أهل بدو ورعاة، لكن من جانب آخر كان سلمان الفارسي صاحب فكرة الخندق نموذجا فرديًا لمسلم أعجمي أدرك النبي وصاحبه، وكان له الشأو العظيم عند المسلمين، وبذلك فالشذوذ لا تقاس عليه القاعدة من هذه الزاوية.

يمكن أن نجمل أسباب ظهور الشعوبية في ثلاثة أسباب ترتبط جميعها في الاضطهاد الذي تعرض له الموالي من طرف بني أمية.

1- يتجلى السبب الأول في الجانب السياسي؛ حيث جرى نبذ العجم من المناصب السياسية والإدارية، بل تمادى بنو أمية إلى إقصائهم من شؤون الولاة والقضاء وحتى إمامة الصلاة.

2- يتجسد الجانب الثاني في الجانب الاقتصادي؛ نتيجة إهمال الخلفاء للشؤون المالية في الأمصار، وإثقال كاهل الموالي بالجزية.

3- أما الجانب الثالث فيرتبط باستعلاء العرب على الموالي وتحقيرهم نتيجة للنصر العظيم الذي أحرزوه على الفرس والروم، ما جعلهم يشعرون بالسيادة والعظمة على غيرهم

لقد كان بروز الشعوبية حقيقة حتمية طبيعية نظرًا للغزو العربي، إنه واقع الاضطهاد والاحتلال الذي تعرضت له الشعوب فترة الفتوح، وهو نفس ما وقع أيضًا في فتوح شمال أفريقيا؛ إذ إن بعض مظاهر الصراع التي برزت بين العرب والأمازيغ كانت نتيجة لاستبداد الفاتحين «ولعل مثار النزاع أولًا إنما كان لأجل استبداد العرب بوجوه المنافع، واختصاصهم بالمناصب العالية في الدولة، فبدأت المطالبة بالمساواة في الحقوق . ثم استفحل الداء فبدأ المغاربة يشعرون بالخطر يتهددهم. وأنهم إن لم يتلافوا الحال، ربما أفضى الأمر إلى محو وجودهم السياسي»، بل إن الملكة الأمازيغية ديهيا المتمرسة في السياسة والذكاء العسكري والتي حاربت الرومان قبل غزو المسلمين أدركت هذه الحقيقة (حقيقة أن المسلمين غزاة محتلين)، ذلك يظهر بشكل أساس في قولها: «إن العرب لا يريدون من بلادنا إلا الذهب والفضة والمعدن، ونحن تكفينا منها المزارع والمراعي، فلا نرى لكم إلا خراب بلاد أفريقية كلها حتى ييأس منها العرب فلا يكون لهم رجوع إليها آخر الدهر».

إن كل هذا يجعلنا نطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يتم تسويغ الغزو والاحتلال الإسلامي لأراضي الغير، بينما ينظر المسلمون إلى الاستعمار الحديث على أنه مؤامرة للقضاء على الإسلام والمسلمين؟

إذا كان المسلمون اليوم ينظرون إلى أن احتلال الكيان الصهيوني لدولة فلسطين ضرب من اللاإنسانية ونسف للمواثيق الدولية نظرًا لكون الكيان الصهيوني احتل أرضًا لها سكانها وثقاتها ومعتقدها، ومن جانب آخر التطهير العرقي الذي يذهب إليه هذا الكيان، وتهويد الأرض الفلسطينية، ألا يمكن أن ننظر إلى أن الغزو العربي فيما يسمى الفتوحات الإسلامية يذهب هذا المذهب ويتخذ نفس الطريق الصهيونية في احتلال الأراضي وطمس هوياتها وثقافاتها والتعالي على سكانها؟ رغم أن المنطلق الصهيوني والفتوحات الإسلامية تنطلق من نفس المنطلق العقائدي الديني، إسرائيل تنظر للأرض الفلسطينية على أنها أرض الميعاد وهذا مبررها الديني في احتلال أرض بسكانها، والمسلمون يبروون الفتوحات على أنها نشر لدين الله وعقيدة التوحيد.

قبل أن نتحدث عن الاضطهاد والاحتقار التي تتعرض له الدول المفتوحة/ المحتلة نتيجة الغزوات فإن احتلال أرض مرفوض أخلاقيًا وإنسانيًا.

هذا ينفي بالمطلق الطروحات التي تذهب إلى أن الإسلام يمنح حق الحرية الفكرية والدينية لغير المسلمين، انطلاقا من مجموعة من الآيات القرآنية، لكن الواقع التاريخي يفنذ هذه الطروحات ما دام أبو بكر حارب المرتدين الذين يمكن أن يكون عدم اقتناعهم للدين الجديد سببًا في ردتهم، أو من خلال الفتوحات الإسلامية التي كانت تطرح شروطًا على الشعوب الأخرى مساومة إياها في حياتها إما الإسلام كرهًا أو الجزية مقابل حريتك العقائدية أو السيف والقتل.

تختلف التسميات بين الفتح والجهاد ونشر الرسالة.. لكن يبقى أثر الاحتلال واقعًا تاريخيًا في الثقافة الإسلامية، علينا أن نقرأ التراث بعيون المنطق والعقل، لا بعيون العاطفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد