يكادُ لا يجمعك حديثٌ مع أحد أبناء الحركات الإسلامية المناهضة لما بعد الثالث من يوليو على اختلاف مشاربها وتوجهاتها، أو تسمع لأحد قاداتهمِ أو تقرأُ لأحد منظريهم؛ إلا ويُسمعكَ كيلاً من النواح على ظلم واضطهاد وحرب إبادةٍ قد وقعت بأبناء التيار، ويأخذه الحديث أكثر فأكثر في سيل من أحاديث الضحية والمظلمَة والكربلائية.

وأنا هنا لست بصددِ نفي ما هو واضح كوضوح الشمس في كبد السماء، من أن ما مرَّ به أبناء هذا التيار بعد الثالث من يوليو هي واحدة من أكثر حقب الاضطهاد في التاريخ المصري المعاصر وأكثرها دموية على الإطلاق، كما ذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش في أحد تقاريرها بأن مذبحة فض اعتصامي رابعة والنهضة هما أكبر مذبحتين في التاريخ المصري الحديث، وغيرها من تقارير حقوق الإنسان التي لا تدع مجالًاللشك بوقوع هذه المظلمة وهذا الاضطهاد.

لكني هنا بصدد تحليل لأسباب ذلك الاضطهاد وأسباب فشل تلك التجربة الإسلامية الوليدة، والتي عُلقت عليها الآمال العريضات، باعتبار أن الحركة الإسلامية في مصر هي الحركة الأم لجميع كيانات العمل الإسلامي في العالم.

وينقسم أبناء الحركة الإسلامية في تحليل أسباب فشل تجربتهم الوليدة إلى تيارين كبيرين.

يُرجع الأول منهما أسباب الفشل إلى عوامل خارجة عن إرادة هذه الحركات من تدخل للآلة العسكرية وللدولة العميقة، والتي عملت على إفشالهم بكل ما أوتيت من قوة وسيطرة على مفاصل الدولة، وإلى عوامل خارجية خاصة بالتدخل الأجنبي والخليجي خاصة فيما يخص الحالة المصرية على وجه التحديد، وهو القطاع الأوسع من أبناء الحركة.
في حين يوجد رأي آخر، وإن كان على استحياء؛ والذي يُقَابل في الأغلب بتعنت ورفض وازدراء أحيانًا، واتهام بالخروج عن مبادئ الحركة والمروق من الصف الإسلامي في أحايين أخرى،وهو التيار الداعي إلى إعادة تقييم للتجربة برمتها والذي لا يقصر أسباب الفشل في عواملخارجية، ولكن يركز على وجود أسباب جوهرية للفشل نابعة من داخل الحركة ذاتها ومن تصوراتها الفكرية، وقد وصل الأمر بهذا التيار إلى إعادة التفكير في جدوى المشاركة في العملية السياسية من الأساس.

ومنه ما جاء على لسان القيادي في “حركة النهضة” التونسية ونائب رئيس البرلمان التونسي الشيخ عبد الفتاح مورو، خلال زيارته إلى لبنان، عن فشل الإسلاميين في الحكم، معتبرًا أن المجتمعات العربية غير مهيأة اليوم لتولي الإسلاميين الحكم وأن هناك ضرورة لإعادة تقييم كل التجربة الإسلامية لتحديد الأخطاء وكيفية الخروج من المأزق الحالي.

وما جاء أيضًا على لسان الأمين العام لـ”الجماعة الإسلامية” في لبنان إبراهيم المصري، في حوار معه في ملتقى الأديان والثقافات، من أن الحركات الإسلامية لا سيما تلك التي تحمل فكرًا إخوانيًّا، لم تكن تملك مشروعًا سياسيًّا للحكم، وأنها كانت تفضل أن تبقى في المعارضة وأن الظروف فرضت عليها تولي السلطة، مما أدى إلى فشلها، إضافة إلى إعلانه قبول الحركات الإسلامية بالدولة المدنية مع الالتزام بالمرجعية الإسلامية.

هذا الجدال الدائر والمحتدم في الأوساط الإسلامية، والذيزادت وتيرته عقب فشل التجربة الإسلامية للإخوان المسلمين في مصر، والفشل الجزئي لتجربة النهضة في تونس، ومن قبلهما فشل التجارب الإسلامية على اختلاف نطاقها الجغرافي والزماني من تجربة جبهة الإنقاذ الجزائرية، مرورًا بالتجربة السودانية، وغيرها من التجارب التي لايتسع المجال لذكرها.

كل ذلك طرح تساؤلًا رئيسيًافي الأوساط الفكرية الإسلامية حول طبيعة أسباب فشل التجربة، وهل ترجع إلى فشل في الممارسة والتطبيق والظروف الضاغطة كالآلة العسكرية والدولة العميقة، والأسباب الخارجية كالتدخل الدولي والإقليمي لإفشال التجربة؟ أم أن أسباب الفشل ترجع بشكل رئيسيإلى قصور في التصور الإسلامي لطبيعة نظام الحكم فيالإسلام ولطبيعة النظام الاقتصادي الإسلامي الذي يجب تطبيقه عند الوصول للحكم؟

وقد تبنيت في هذا المقال الاتجاه الثاني، والذي يُرجع أسباب الفشل بشكل رئيسي إلى فشل في التصورات والرؤى التطبيقية للمشروع الإسلامي, وأحاول في ما سيأتي من المقال الاقتراب ولو قليلاً من أسباب هذا الفشل في التصورات والرؤى التطبيقية.

إن تصفحًا سريعًا لأدبيات الفكر السياسي الإسلامي على مدى تاريخه، وباختلاف مفكريه، لكافٍ ليخبرنا بما لا يدع مجالًا للشك عن وجود هذا القصور في الرؤى التطبيقية لنظام الحكم في الإسلام، فمن كتاب الأحكام السلطانية للإمام الماوَردي، مرورًا بالسياسة الشرعية لابن تيمية، إلى الكتابات الحديثة في هذا المجال.

أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر (النظام السياسي للدولة الإسلامية) للدكتورمحمد سليم العوا، وكتاب (من فقه الدولة في الإسلام) للشيخ يوسف القرضاوي، كل هذه الكتابات وغيرها من كتابات الفكر السياسي الإسلامي يغلب عليها الطابع التاريخي في التناول لمفاهيم كالخلافة الإسلامية أو الإمامة العظمى والبيعة وغيرها، والتي يتم تناولها في سياق تاريخي.

على الجانب الآخر، تندر الكتابات التي تتعرض لوضع نظام تطبيقي معاصر لنظام الحكم في الإسلام، وأذكر من هذه الكتابات القيمة والنادرة كتاب (الحكومة الإسلامية رؤية تطبيقية معاصرة) للشيخ عبد المجيد الشاذلي، وهو من الكتب القليلة التي تعرضت لوضع نموذج تطبيقي للحكومة الإسلامية المعاصرة، والذي قسم فيه السلطات إلى:

  • السلطة التشريعية أو أهل النظر والاجتهاد ودورهما الاستنباط والاجتهاد.
  • السلطة الرقابية أو أهل الحل والعقد، ودورهم الترشيح والعزل، والشورى والحسبة.
  • السلطة القضائية، وهي المسئولة عن القضاء والمحاكم في الدولة ومسئولة عن تحقيق العدالة.
  • السلطة التنفيذية،وهي المسئولة عن تنفيذ السياسات والقواعد التي يضعها الحاكم المسلم وجهازه التنفيذي وموافقة المجلس النيابي.

وقد استمد هذا النموذج التطبيقي من المقاصد الرئيسية لنظام الحكم في الإسلام من حاكمية الشريعة وإقامة الشورى وتحقيق العدالة وغيرها من المبادئ الحاكمة لهذا النظام، وتعد هذه الدراسة مقدمة وخطوة جيدة في مجال سد هذا النقص ووضع نموذج تطبيقي جيد لطبيعة الحكومة الإسلامية المعاصرة.

وأمام هذا النقص الحاد في التصورات، فؤجى السياسي الإسلامي حين تقلد زمام الأمور أن معظم ما جاء في مشروعه لم يتعدَّ بعد مرحلة العموميات والشعارات الرنانة، وأنا هنا لست بصدد التقليل من هذه العموميات، لكن من باب تبيان النقص في التصورات والرؤى التطبيقية لهذا المشروع.

فوجدنا أحزابًا كانت بالأمس القريب ترفع شعارات كالإسلام هو الحل، وجدناها تبرر لأبنائها الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي، ووجدنا بعض الإسلاميين يدافعون عن الديمقراطية دفاعًا مستميتًا ناسين أو متناسين أن الأدبيات الإسلامية في معظمها تعارض الديمقراطية، وكثيرًا من آلياتها، وتعتبرها مخالفة للإسلام وتعاليمه، ومعارضة لفكرة حاكمية الشريعة التي يقوم عليها نظام الحكم في الإسلام.

كل هذا وأكثر أنتج لنا إسلاميين أكثر ليبرالية من بعض الليبراليين، وأكثر ديمقراطية من بعض الديمقراطيين، بل وفي بعض الأحيان أكثر علمانية من بعض العلمانيين.

هذا النقص في التصورات التطبيقية اضطر الحركات الإسلامية إلى محاولة الاندماج في الدولة القومية، والتطبيع مع الديمقراطية وأدواتها من انتخابات وغيرها، وذلك بسبب غياب البديل الذي يمكن تطبيقه، وهو ما خلق حالة من الاغتراب عن المشروع الإسلامي والذي أصبح مشروعًا ممسوخًا لا يتعدى كونه مجموعة من الشعارات البراقة، أما في الواقع العملي فهو أقرب للعلمانية أو الليبرالية، سمِّه ما شئت لكنه لم يكن إسلاميًّا على الإطلاق، على الأقل في نظر البعض.

في النهاية، يجب على الحركات الإسلامية قبل الشروع في الحركة والنضال من أجل العودة للحكم مرة أخرى، ومن أجل التمكين؛ أن تعيد صياغة تصوراتها الفكرية من جديد لتتواءم مع المستجدات الحديثة، وأن تحسم أمرها بشأن القضايا الخلافية كالتعامل مع الدولة القومية من عدمه، وطبيعة الوسيلة الأفضل للتغيير هل الإصلاح الأفقيفي المجتمع فيما يسمى بهامشية دور الدولة ومركزية دور المجتمع؟ أم التغيير رأسيًا بالوصول للحكم؟ وتحديد طبيعة النظام الاقتصادي ووضع برامج اقتصادية محددة بعيدًاعن الشعارات.

والأهم من كل ذلك هو العمل على صياغة نموذج تطبيقي للحكومة الإسلامية المعاصرة، يتوافق مع العصر ويحوز على أكبر إجماع من علماء الأمة ومفكريها، ويكون مستمدًا من المقاصد العليا لنظام الحكم في الإسلام، من حاكمية للشريعة والتزام بالشورى وغيرها من المقاصد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد