603

لماذا ينبغي تفكيك الفصائل الإسلامية؟ سلسلة من المقالات بدأتها لأوضح الأسباب التي تُحتِّم الخلاص من تلك الفصائل، لانعدام جدواها. وقد تناولت في مقالتي السابقة شيئًا من مساوئ حكم جمال عبدالناصر والضباط الأحرار، وكيف أنهم استخدموا جماعة الإخوان المسلمين في تحقيق أهدافهم، ثم تخلصوا منهم بعد ذلك، وكيف أن ناصر فعل ما أراد دون أن يستطيعوا فعل شيء. وفي هذه المقالة سوف أتناول شأن الفصائل في الحقبة الساداتية.

في الثامن والعشرين من سبتمبر 1970 توفي الرئيس المصري جمال عبدالناصر، مُخَلّفًا وراءه إرثا ثقيلا حتما سوف يرهق مصر والمصريين، حاكما ومحكومين. فما بين الهزيمة واحتلال سيناء، والإرهاق المادي والعسكري، وبين شعب افتقد الثقة والأمل نتيجة الكذب والتخويف من خلال الحكم بالحديد والنار، وسجون تكتظ بالآلاف ممن ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين وغيرهم.

نعم، لقد كان واقع مصر كذلك، فكان تقدير الله أن يتسلم محمد أنور السادات مقاليد الحكم في السابع عشر من أكتوبر 1970، في ظل هذه الأوضاع المتردية.

ومن ثم علينا أن نتخيل حال السادات أمام هذا الواقع. فدولة مهزومة نفسيًا وعسكريًا، وشعب مجروح مكلوم، ليس هذا فقط، بل إن هناك ما هو أشد وأخطر من ذلك. فكيف تصرف السادات؟

في الثاني من مايو 1971، أصدر السادات قرارا بإقالة نائب رئيس الجمهورية «علي صبري» وإعفائه من جميع مناصبه.

في الثالث عشر من مايو 1971، أصدر السادات قرارا تاريخيا بإلغاء الرقابة على الحريات، وأمر بوقف الرقابة البوليسية على المواطنين. وغير ذلك من قرارات أدَّت إلى استبشار الشعب وكسب رضاه. غير أن هناك فريقا قد أزعجه ما قرره السادات، إنه الفريق الذي تمثله مراكز القُوى داخل الدولة المصرية. لم ينتظر ذلك الفريق طويلا، حيث تحرك رجاله مساء اليوم ذاته للتخلص من السادات والانقضاض على السلطة، فتقدموا باستقالات جماعية بهدف إحداث فراغ سياسي بغية الإطاحة برئيس الدولة.

قبِل السادات استقالاتهم جميعًا، وبعد حصوله على تفاصيل المؤامرة التي حيكت ضده أسرع في توجيه الضربة القاضية لخصومه، قبل أن يوجهوها إليه هم، فأُلقِيَ القبض على كل الرؤوس المدبرة للعملية. وأطلع السادات شعبه على تلك المؤامرة، مُطلِقا قولته الشهيرة (ينبغي أن يُحاكَم هؤلاء بتهمة الغباء السياسي).

ومن هنا دخلت مصر في مرحلة جديدة. ويروق لي أن أشير إلى أمر هو في غاية الأهمية، وهو، أن السادات ظل متحفظا على أعضاء جماعة الإخوان داخل السجون والمعتقلات. نعم، لقد خاض السادات معركته مع مراكز القوى دون أن يصدر قرار الإفراج عن ضحايا العهد الناصري من جماعة الإخوان. ليس هذا وحسب، بل إنه خاض أيضا حرب السادس من أكتوبر عام 1973، وانتصر فيها، دون أن يخرجهم ليشاركوا في حرب استعادة سيناء.

نعم، فالإخوان المسلمون لم يكن لهم دور في حرب أكتوبر، وهذا ما أكده الشيخ حافظ سلامة حينما تحدث عن حرب السويس، كما أكد ذلك قيادات إخوانية عديدة، مؤكدين على أن المشاركة كانت فردية شأن من كان خارج السجون من الجماعة، في ذلك شأن كل المصريين. «ولكن يبدو أن لهم دورا آخر، لم يحن وقته بعد»، وإن رئيس الدولة هو الشخص الوحيد الذي يحِقُّ له اختيار الوقت المناسب للإفراج عنهم، وأقول، إنه كان يمتلك الحجة القوية يوم أن اتخذ قراره بإطلاق سراحهم، تلك الحجة تمثلت في ثلاثة أسباب، السبب الأول، أنه ما كان يُكِنُّ لهم أي عداء، والثاني أتى بسبب الوساطة، والثالث، بسبب الضرورة. نعم الضرورة، فلئن كان السادات استطاع أن يقضي على رموز مراكز القُوَى، إلا أن لهم أتباعا وأذنابا لا زالوا نشطين يبثون أفكارهم داخل المجتمع المصري، وبخاصة داخل الجامعات، وذلك ما كان يمثل صداعا يؤلم رأس النظام. ومن ثم، أفرج السادات عن ضحايا الحقبة الناصرية، (الإخوان المسلمين)، فاستطاع السادات أن يلاعب أذناب مراكز القوى بورقة «فصيل الإخوان» وغيره من الفصائل التي وُلِدت في السبعينيات، كالجماعة الإسلامية، ثم دعاة المنهج السلفي – على اختلاف مدارسهم -.

ومن هنا تتجلى قدرة السادات على حسن التوظيف، وأيضا قدرته على ترتيب الأوراق ومهارة اللعب بها في ميدان السياسة. ولا يفوتني هنا أن أشير إلى وجود تنظيم الجهاد، الذي تأسس في الستينيات، والذي قام أعضاؤه بعملية «الفنية العسكرية» عام 1974، وغيرها من العمليات الفاشلة. وهذا التنظيم له دور سوف ينجح فيه بعد ذلك، بمشاركة الجماعة الإسلامية.

والآن ننتقل إلى محور آخر، وأراه من الأهمية والخطورة بمكان، وهو المتعلق بمساوئ الحقبة الساداتية وكيفية تعامل الفصائل معها.

لقد حقق المصريون انتصارا عظيما، في حرب أكتوبر، شهد له العالم كله. غير أن هناك ما يؤخذ على السادات في أمر التفاوض بشأن عملية السلام وما ترتب عليه من إبرام المعاهدات. وتلك أبرز مساوئ الحقبة الساداتية، من وجهة نظر منتقديه.

ففي التاسع عشر من نوفمبر 1977، توجه الرئيس السادات إلى القدس في زيارة تُعد هي الأولى لرئيس مصري وعربي، ولقد ألقى في اليوم التالي خطابه الشهير داخل الكنيست الإسرائيلي.

في السادس والعشرين من مارس 1979، وقَّع السادات اتفاقية كامب ديفيد مع الإسرائيلي، مناحم بيجن، برعاية الرئيس الأمريكي جيمي كارتر. وهنا أقول، لقد كانت زيارة السادات إلى القدس سببا في الاعتراض على سياساته من قبل القوى المختلفة، يسارية وإسلامية، وغيرهما، ثم جاء التوقيع على معاهدة كامب ديفيد ليزيد من حنق الجميع عليه. هذان الأمران هما الأبرز حينما تُذكَر مساوئ الحقبة الساداتية. حتى وإن كانت هناك اعتراضات أخرى، تخص قرار الانفتاح وأزمات ارتفاع الأسعار، وما شابه ذلك. ولكن تبقَى الزيارة والمعاهدة من أهم الأسباب الرئيسية في وصم السادات بالخيانة للأمة والدين. زاد خصوم السادات في نهاية حكمه، حتى أن النصارى أيضا ناصبوه العداء بسبب بعض الأحداث والممارسات التي صُبِغَت بالصبغة الطائفية.

اشتد الأمر وتطور حتى اضطر السادات إلى أن يشن حملة اعتقالات واسعة شملت الآلاف من رجال المعارضة في مصر على مختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم في الخامس من سبتمبر 1981. وها هي يد العنف والاغتيالات قد امتدت لتحمل السلاح لتغتال الرجل الذي كان الأفضل، من بين رؤساء مصر، معاملةً مع الفصائل الإسلامية. إنها يد أبناء الجماعتين «الجهاد، والجماعة الإسلامية»، ممن ينتمون إلى المؤسسة العسكرية.

لقد نجح الإسلاميون في اغتيال السادات، في السادس من أكتوبر 1981. وهنا لا بد من وقفة لطرح هذه التساؤلات على من قاموا بالاغتيال، وعلى من يدافعون عن منفذيه:

وأقول: نعلم جميعا أسباب اغتيال السادات، لكن نريد أن نتعرف على الأهداف التي حددها من قاموا بعملية الاغتيال. ثم هل حققوا شيئا من تلك الأهداف لنعتبره نتيجة إيجابية لعملية اغتيال ناجحة؟ ثم النصارى والناصريون واليساريون كانوا يحملون الغضب أيضا على السادات، فلماذا لم ينجرُّوا خلفكم ولم يحملوا السلاح ولم يسلكوا مسلك العنف معكم؟ لماذا أنتم فقط؟ ومهما كانت الإجابة. فالمآلات هي الفيصَل.

وأقول إن الذي تحمل تبعة ذلك هو الإسلام وأهله، أما الناصريون واليساريون فلم ينلهم أذى، وأما شنودة «رأس النصارى وقتئذ» الذي كان مُهانا في عصر السادات، صار ذا شأن عظيم بين قومه بعد ذلك، وأما من دبروا واغتالوا السادات، فإما الإعدام أو السجن أو الفرار هربا.

وأخيرا، أقول، لماذا دائما يفكر الإسلاميون أول ما يفكرون في العنف أوالصدام مع النظام القائم، حتى يصل الأمر بهم إلى حمل السلاح؟ لماذا لم يبحثوا عن مفتاح شخصية رأس النظام ليحددوا ثغرة لعلهم يستطيعون السيطرة عليه والتأثير في سياساته؟ فالسادات مثلا، كان مُحبا لدينه محبا للعلماء، مغامرا جريئا، وتشهد بجرأته عملية مطار لارنكا، وأيضا محبا لذاته، وهذه النقطة تحديدا كانت كفيلة بأن تفتح لهم بابا للتحالف الناجح معه؟ لماذا لم يفكروا في ذلك عساهم ينجحوا في وضع قدم لهم، بل أقداما داخل أروقة السلطة ودائرة صنع القرار؟ لماذ لم يخططوا للهيمنة تدريجيا على مفاصل الدولة – ولو كلفهم ذلك سنينا من الصبر والعمل – دون أن يمسوا شخصية السادات بسوء؟ لماذا لم يفكروا كيف أثَّر الحجاج على بعض خلفاء بني أمية، وكيف أثَّرَ أحمد بن أبي دؤاد على المأمون والمعتصم؟ والجواب: لو إنهم يحسنون السياسة، لأحسنوا استثمار الفرص. لذلك كلما جاءتهم أضاعوها، في الوقت الذي يستثمر فيه خصومهم أنصاف الفرص للانقضاض عليهم والتنكيل بهم وبالشعب المصري على السواء!

وأخيرا، إن ما شهده عصر السادات منذ اليوم الأول حتى لحظة الاغتيال، لمدعاة إلى أن أقول: ينبغي تفكيك تلك الفصائل التي أضر وجودها بالإسلام والمسلمين، لقد زار السادات القدس، ولقد ألقى خطابه في الكنسيت، ولقد أبرم كامب ديفيد، في ظل وجودهم طلقاء، ومع ذلك لم يستطيعوا أن يمنعوه من فعل ذلك.

وأختم بهذا السؤال المهم: رغم أن السادات قد زار القدس وخطب في الكنيست وأبرم المعاهدة، فهل كان الأمريكان واليهود وغيرهم يأمنون مكره ودهاءه؟

لقد رحل السادات في السادس من أكتوبر 1981. لتدخل مصر جولة جديدة من جولات لعبة النظام والفصيل.

وأرجئ الحديث عنها لمقالتي القادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك