أهم معضلة تقف أمام الجماعات والتنظيمات الإسلامية منذ زمن حتى اليوم، أنها تسعى لأدلجة وتحوير الأفكار والمفاهيم التي تتبناها على أساس عقدي، فالجماعات التي تنطلق من هذا الأساس هي في جوهرها تُبطن العجز والقصور في التّعايش مع مجريات الواقع، وتسعى لإخفاء عيوبها خلف عباءة الدين، فعجزها وقصورها عن فهم الواقع هو من يدفعها نحو الهروب إلى صبغ الأهداف والأفكار وفق نهج ديني، لا أقول أن تتخلى الجماعات الدينية عن المرتكز والهوية التي قامت عليها، قد تكون خلفيتها النظرية ذات بعد ديني، ولكن مقتضيات البقاء والاستمرار تفرض التعاطي وفق مجريات اللعبة التي يفرضها الواقع والمرونة في الأخذ والعطاء، والنظرة الجادة في الموروث الديني والتاريخي الذي تقف عليه جُل أفكار تلك الجماعات، والابتعاد عن الانفعالات العاطفية المبنية على أحداث الماضي التي لا تصلح حلولًا لواقع اليوم.
إن حشر الدين في زوايا الجماعات الضيقة يقلل من سعة المفاهيم الدينية وحصر البحث في مقاصدها، بل ربما قد يفهم العالم الخارجي تلك المفاهيم الإسلامية حسب النظرة التي تروج لها تلك الجماعة، وهي نظرة قاصرة متقزمة، فالعالم الخارجي ليس معنيًّا بالبحث عن معناها الصحيح، بل من مصلحته أن تظل تلك المفاهيم محصورة الفهم وفق ما تحتويه أدبيات تلك التنظيمات، وفي الحقيقة إن شل بعض المفاهيم الإسلامية وبترها وفق أهواء جماعاتية، هو في الأساس إزاحة الإسلام كمنظومة متكاملة لإدارة الحياة بشتى جوانبها، مما يجعله عبئًا كبيرًا لا يُطاق حمله، قد يصل بتلك الجماعات إلى أفق مسدودة من شأنها إفراز حالات تشدد تنتهج العنف والتطرف، وحين تتفشى تلك الحالة في المجتمع تصبح آفة يصعب اجتثاثها تنهش في الناس كإضرام النار في الهشيم.
إن خلط ما هو ديني ثابت بما هو سياسي متغير في قنينة واحدة يعد مؤشر زوال لتلك الجماعات، مما يعكس قناعة للعالم الخارجي مفادُها أنه لا يوجد شيء اسمه إسلام سياسي، وسبب في ذلك يعود إلى العجز والفشل الذريع الذي لحق بتلك الجماعات في هذا المضمار الذي لم تعرف دهاليزه بعد.
ربما حققت بعض الجماعات التي تحولت إلى أحزاب سياسية نجاحًا طفيفًا يكاد يكون هشًا، وسعت إلى توزيع المهام وفرزها بين ما هو ديني وما هو سياسي، إلا أن البنية السياسية لتلك الأحزاب لا تزال قابلة للانهيار في أي لحظة أمام حركة الاستقطاب الحاصلة اليوم في المنطقة وظهور حلفاء جدد يجمعهم القضاء على ما هو إسلامي سياسي.
لماذا يحصل أن تظل الجماعات مصرة على البقاء خلف عباءتها الدينية؟ وعدم النظر في الموروث الديني والتاريخي الذي تستند جُل أفكارها عليه؟
أولًا: إن ذلك البقاء من شأنه كسب الصفوف وتوسيع القاعدة المؤيدة للجماعة، والفئة المستهدفة في هذه الحالة هم عوام النّّاس الذين يتأثرون بالأقاويل لمجرد أنها جاءت من مصدر ديني، حتى إن المشاكل السياسية والمجتمعية التي تواجهها تلك الجماعات ما تفتأ أن تحولها إلى قضية تمس الدين والعقيدة والملة، لتُجيش لها الصفوف والأنصار.
ثانيًا: كره تلك الجماعات للنّقد الموجه لها من الأسفل بل ربما لا تؤمن به، فهي تكتفي بالنصيحة الساذجة التي لا تسعى لتقويم المعوج عن خطئه، ولا تُصحح المسار إن هي مالت عنه، حيث يقف الموروث الديني والتاريخي حارسًا أمينًا لذلك الباب.
ثالثًا: إن النظر فيما تستند عليه تلك الجماعات من إرث ديني وتاريخي تنظر إليه الجماعة كمقوض لبقائها، فهي لا تستطيع أن تتخلى عنه، بل تعجز عن صياغة أدبيات جديدة تتلاءم مع الواقع الذي تعيشه، ناهيك أنها تعاني من عجز تنظيري في هذا الجانب.
رابعًا: الهياكل التنظيمية المغلقة لتلك الجماعات التي تأخذ الشكل من الأعلى إلى الأسفل، من رأس الهرم إلى القاعدة، في حين تصبح التغذية العكسية من أسفل الهرم مجرد أقاويل يرى التنظيم أن من شأنه شق الصف.
خامسًا: انعدام التفكير بطريقة فلسفية قائمة على نقد الذات من الداخل، تفتح الأفق وتطور الأفكار وتجدد الصفوف وتراجع موروث الماضي.
سادسًا: عمل تلك الجماعات في بنيتها الهيكلية وفق نظرية الورع في الدين والأقدمية في التنظيم، وبعدها عن ذوي التخصص والكفاءة في صفوفها.
مرجعيات مهمة يجب أن تقف عليها الجماعات الإسلامية اليوم، ما لم فأمامها عقبة كبيرة لن تستطيع اجتيازها في ظل متغيرات سياسية تحصل في كل ثانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد