تحتوي الأسطر التالية ردًّا حاولت قدر الإمكان أن أجعله مختصرًا على مقال أرسله لي أحد الأصدقاء منشور في «ميدان الجزيرة» تطرق إلى المدارس الإسلامية بشكل عام في مدينة دمشق، وتوسع في الحديث بعدها عن جماعة «القبيسيات» التي طالما ثار الجدل حولها منذ زمن طويل.

إن أكثر ما يهمني في مقالة ليلى هي بدايتها، والتي أرى فيها مغالطة كبيرة تجاه المدارس الإسلامية، وتعميم تبعيتها للمخابرات، والتي أرى فيه غمزًا ونقدًا مبطنًا لتلك المدارس على أنها نشأت وعملت تحت رعاية المخابرات.

وهذه النقطة شديدة الأهمية، ولو أن المقالة لم تحتو إلا هذه المغالطة فهذا كافٍ لنقدها والقول بأنها جانبت الصواب. نعم وخصوصًا أن هذا الكلام يرد في ظل الثورة السورية ضد النظام القائم، وأن مثل هذه الكلمة ستوحي تمامًا أن هذه الجماعات هي جماعات المخابرات السورية بشكل أو بآخر، فالمخابرات كما ذكرت ليلى هي من كان يدير ويسيطر فعليًّا على تلك الجماعات والمدارس الناشئة عنها، وهنا تقع المغالطة المخيفة.

في البداية لا بد أن أشير أنني التزمت مع جامع زيد بن ثابت الأنصاري لمدة ما يزيد على سنة قليلًا، ولم أستمر بالمسجد لأني لم أجد ضالتي التي أبحث عنها في ذلك المسجد، ولي أصدقاء كثر التزموا بجامع زيد منهم من استمر ومنهم من ترك، ولي أيضًا أصدقاء من ما يسمى «سلسلة جوامع زيد» أي جوامع أخرى مرتبطة بـ «جماعة زيد» فكرًا وتعليمًا، كما لي أصدقاء من جماعة «أبو النور» و«فتح» وغيرها من المساجد غير المشهور بعضها. هناك «جماعات» أخرى لم تذكرها ليلى وهناك شخصيات مفردة أيضًا كان لها إسهاماتها في تلك الفترة، ولها وجودها الواضح فكريًّا وعلميًّا. وهل كل هؤلاء كما ذكرت ليلى مسيطر عليهم من قبل المخابرات!!

الجواب بالقطع لا، وهل كانت هذه «الجماعات» تفصلنا عن الحياة العملية والفكرية، طبعًا لا. وهل اعتمدت تلك «الجماعات» مبدأ البعد عن كل ما يغضب المخابرات وأجهزتها، أستطيع أن أقول جازمًا لا.

لقد عشت بينهم لفترة، وأعرف منهم الكثير وأعرف أنهم تربوا على كتب الفكر، وتعلموا فهم الأمور، وهذا الكلام مختلف بين الناس بالطبيعة ولكن تلك «الجماعات» لم تمنع الفكر أو العمل بالطريقة التي تمت الإشارة لها من قبل ليلى. ولكن بسبب طبيعة البلد المخابراتية الإجرامية كان من المستحيل مناقشة بعض الأفكار بالطريقة التي نناقشها اليوم أو ناقشناها بعد قيام الثورة، فالمجتمع لم يكن حتى يفكر بالثورة، وهناك حالات أخطأ أصحابها التقدير فذهبوا في غياهيب المعتقلات – وأنا أتحدث هنا عن فترة قبل الثورة-.

كان كل شيء في سوريا بطبيعة الحال مراقبًا بطريقة شديدة من قبل المخابرات، فلذلك الحذر كان مطلوبًا، كما أن الإجراءات الأمنية كانت شديدة ليس فقط في نظام «التعليم الشرعي» بل إنه كان موجودًا في كل الأصعدة في البلد، وهذا لا ينتقص من الجهود التي كانت تبذل في بقية المجالات، ولكنها علامة على شدة البطش وصعوبة العمل.

قضية التصوف التي تطرقت لها ليلى في مقالها فيها مغالطة أيضًا، «النمط الديني المسالم» ليس تخصصًا تصوفيًّا؛ بل هو قرين لمعاكستها تمامًا أيضًا، وهي «الجماعات» السلفية، ومثال ذلك في بلدان عربية واضح جدًّا. وللعلم أن يوسف بن أيوب (صلاح الدين) والسلطان محمد الفاتح كانا متصوفين صحابي طريقة، لم يمنعهما التصوف من الجهاد والعمل العام. والأمثلة كثيرة على ذلك ولكني أوردت هذين المثالين لأنهما لقائدين فتحا البلاد وتوسعا في السلطان. لم يكن التصوف يومًا مقعدًا للمسلمين عن واجبهم، ولا مبعدًا لهم عن العمل العام.

ما زلنا إلى اليوم نحاول أن نبحث عن سبب لما نحن فيه، ودائمًا ما نلقي اللوم على «الجماعات» الإسلامية والتصوف، لأنهم في هذه الأيام هما الحلقات الأضعف، فنرمي بكل المشاكل باتجاههم وكأن ما يحدث هو معادلة من الدرجة الأولى وأن الأمور بهذه البساطة.

كثير ممن شاركوا في الثورة يا ليلى كانوا خريجين تلك «الجماعات»، وتلقوا تعليمهم – حتى الفكري– منها، نعم منها. لا أشك أبدًا أن ما كان في تلك الجماعات ليس كافيًا، ولست هنا بصدد الحديث عن الأسباب فتلك تحتاج بحثًا مفردًا ولست بصدده في هذه الأسطر.

لا يجوز لأننا غاضبون منهم بسبب خلافنا أو اختلافنا معهم، فلا يجوز لنا أن نظلمهم بكلامنا أو بأقلامنا، لقد صدرت عن بعض «الجماعات» وكثير من الشخصيات المفردة مواقف مهمة وكلام لم نسمعه من غيرهم في ظل النظام، كما أن فيهم الشهداء والمعتقلين، ومنهم من ضحى براحته وماله وقربه من أهله مثلنا مثلهم تمامًا. نعم لقد توقفت عن الالتزام بـ«جماعة زيد» ليس لأنها مسيطر عليها من قبل المخابرات، ولكن لأنني رأيت أن ما أريد لا أجده هنا، فرق كبير بين الحالتين.

كما أن لدي بعض الملاحظات على المقالة:

فأظن أنها أطول من مقالة أو تدوينة، وليست بحثًا علميًّا، فهي ليست هذه ولا تلك. كما أن الإحصاءات التي وضعتها ليلى في مقالتها وردت هكذا مجردة كما أرى ولا تعتمد لا على بحث أو مصدر، وإن كانت ذكرت – بصيغة الاتهام– رأي بعض المشايخ في «القبيسيات» فإنها لم تذكر مصادرها؛ لأني أرى أن ليس لها مصدر واضح سوى تقديرات شخصية لدرجة أنها ذكرت نسبة 50% وعددت ثلاث مدارس فقط!

وفي النهاية كلمة لله وللرسول، إن كنا نرى أن العمل الفكري والدعوي بالفترة الماضية لم يرتق إلى ما نصبو إليه أو نطمح له، فلا تظلموا الناس بكلام مرسل فيه من الرأي والتحليل أكثر من الحقيقة، فنحن محاسبون على ما نقول، ولا نعلم من يتأثر بكلامنا فيزل عن جادة الصواب، أو ينجرف إلى المزالق، فأنصح نفسي وإياك يا ليلى وكل من تصدى للشأن العام أن يتقي الله في كلماته قبل أن يظلم أحدًا أو يطيش بسببه أحد، ولا يفهم من كلامي التخويف من إبداء الرأي بل على العكس، ولكن مقالة كهذه جمعت المتناقضات بين الناس وجعلتهم في سلة واحدة، والمتناقضات من الأفكار وملأتها في سلة واحدة، وهذا فيه من الإجحاف وعدم الإنصاف الكثير، لعل أحدًا ممن ظلم لا يسامحنا بحقه.

وهي كلمات صادقة لا أبتغي منها غير وجه ربي، والحمد لله رب العالمين.

مايو/ أيار 2017

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد