تمر الأمة العربية والإسلامية في هذا الوقت بمرحلة إخفاق كبيرة، وتتعرض لردة سياسية واجتماعية وأزمة فكرية عميقة، وتشهد مجتمعاتنا العربية حالة من الفوضى والتمزق والتفتت والتفكك، وموجة من الإرهاب تحت شعارات دينية وطائفية عديدة.

المشاكل التي تمر بها أمتنا والفتن الداخلية، يعزوها البعض إلى الفكر المتطرف الذي طفا على السطح بشكل كبير، بأسماء متعددة لعل أبرزها اسم تنظيم الدولة «داعش»، وهذه الأفكار حسب وصف البعض ساهمت بشكل كبير في سفك الدم المتواصل داخل الأمة العربية والإسلامية.

«داعش» صاحبة الفكر المتطرف وغيرها، يعتمدون في تبرير أفعالهم من قتل وتفجير وذبح وحرق، إلى أفكار وفتاوى واجتهادات بعض العلماء السابقين، ويتخذون من بعض نصوص «الإرث الإسلامي» قاعدةً ومنطلقًا ومبررًا لأعمالهم الإجرامية.

هذا الأمر دفع البعض إلى التشكيك في الموروث الإسلامي، واتهام بعض علمائنا العِظام بصناعة داعش من خلال معتقداتهم وفتاويهم، إلا أن الحق الذي يُقال في هذا الموضع هو أن هؤلاء المتشددين فهموا هذه النصوص فهمًا خاطئًا، وأن علمائنا ظُلِموا أحياء وأمواتا!

وعلى سبيل المثال لا الحصر؛ نجد أن أفكار شيخ الإسلام ابن تيمية قد أثارت جدلًا واسعًا في إمكانية دعمها للأفكار المتطرفة، نظرًا لاعتمادهم الكبير على عدد من فتاويه، ولكونه من أكثر فقهاء المسلمين الذين نظروا إلى الجهاد بحكم معاصرته لغزو التتار.

والواضح أن انتقائية كبيرة برزت عند المتطرفين، فهم فهموا آراء العلماء والدعاة بشكل خاطئ، واستغلوها استغلالًا خبيثًا لتحقيق مآربهم، وأخذوا من نصوصها ما ناسبهم وتركوا النص ككل، فلقد فتشوا بين النصوص عن مبرر لأفعالهم المتطرفة، وبرروا للناس ذلك بنص عالم!

وبالعودة إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، والذي اتخذوه قدوةً لهم وهو منهم بريء، فلقد كان الشيخ عالمًا مجاهدًا، قاتل التتار، وعندما ناقش الشيعة «وإن قسا عليهم»، إلا أن نقاشه كان نقاشًا علميًا محضًا، ونذكر مقولته «لا نُكفر من يصلي بقبلتنا» وهي تشهد له!

وكذلك؛ فإن فتاوي ابن تيمية لا تزال موجودة ومحفوظة، وموقفه يوم أن ذهب لإخراج الأسرى من يد «جازان» حيث رفضوا إخراج الأسرى «غير المسلمين»، فرفض هذا العرض وصدح قائلًا: «نُريد أسرى ملتنا، وأسرى ذمتنا»؛ فكيف لرجل مثل هذا أن يبيح قتل المُخالفين!

وبقي أن نلفت المشككين، أن نظرية ابن تيمية الشهيرة في القتال، سببها رد العدوان والظلم، وليس الكفر والمخالفة، ويبدو أن شيخ الإسلام قد ظُلِم حيًا وميتًا، وكل ما يقال عنه هو نوع من الدعاية التي تستهدف النيل منه.

الاتهامات بحق علماء الإسلام السابقين والمعاصرين، لم تتوقف عند حد شيخ الإسلام ابن تيمية، بل تجاوزت إلى الإمامين سيد قطب وحسن البنا، ويبدو أن الطاعنين بجموع علماء المسلمين قد صرفوا نظرهم عن كتب الإمامين، وطغى حقدهم وأعمى بصيرتهم، إلا أن الحق لا يُغطى بغربال!

أولم يروا قول الإمام حسن البنا واصفًا مفتعلي العُنف في زمانه، بـ«هؤلاء ليسوا إخوانًا، وليسوا مُسلمين»، وأما سيد قطب وإن غلبت على نبرته الحدة إلا أنها كانت حدة حق، فهو كان حادًا في مواجهة استلاب الأمة للصالح الغرب، محاربًا تبعية الأمة الفكرية للغرب، معتبرًا ذلك «جاهلية جديدة».

سيد قطب؛ رأى أن الأمة قد فارقت التصور الإسلامي، وقد نادى بالعدالة الاجتماعية حتى في مواجهة خليفة راشدي كعثمان بن عفان «رضي الله عنه»، وانتصر لعلي بن أبي طالب «رضي الله عنه» في مواجهة «الفئة الباغية» حتى لو كان فيها أم المؤمنين عائشة «رضي الله عنها»، ورأى أن ثورة الحُسين بن علي هي أعظم ثورة في التاريخ؛ وهذا يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن حاكمية سيد قطب وحدة نبرته أخذت الطابع الفكري العام في مواجهة هرولة الأمة على أعتاب النموذج الغربي، لذا طالب بطليعة إسلامية تنهض في مواجهة الغرب.

وطبعًا كما نعلم جميعًا؛ فالإمامين حسن البنا وسيد قطب من الرموز الأولى لجماعة الإخوان المسلمين، وقد شاركوا في العديد من المهام الدعوية والجهادية، حتى أضحت الجماعة في يومنا هذا كأكبر جماعة إسلامية وسطية معتدلة في العصر الحديث.

ونحن هنا في هذا المقال الصغير؛ لسنا بصدد سرد محاسن وأفضال العلماء العظام فهي تتحدث عن نفسها، ولسنا في موضع الدفاع عنها، وإنما ما ذكرناه كان من باب ضرب الأمثلة لإثبات وجهة النظر، وأن ظُلم العلماء لا زال مستمرًا سواء على صعيد من يفهم نصوصهم بشكل خاطئ، أو من يتهمهم بإذكاء الفكر المتشدد.

وهنا على علماء الأمة المعاصرين أن يتحملوا مسؤولياتهم وأن يوضحوا موقف الإسلام الصحيح، وبيان أن الإسلام حالة منفتحة على العالم، والدليل من قول الله في مواضع عديدة بنداءات مختلفة، كـ«أيها الذين آمنوا»، و«يا أيها الناس»، و«يا أهل الكتاب»، و«يا معشر الإنس والجن»، وغير ذلك من الخطابات الموجهة لعامة الناس.

ولا بد على العلماء والدعاة أن يقدموا للناس نماذج حقيقية تحمل رسالة الإسلام المعتدلة، وتشرح للناس وللشباب أصول العلاقات الدولية وفق القرآن والسنة، والآيات التي تدلل على ذلك كثيرة في كتاب الله وسنة نبيه المطهرة.

وندرك تمامًا أن محاربة الفكر المتطرف ليس سهلًا، وخاصة أنها غرست في عقول البعض، وأن القضية باتت تحتاج إلى ثورة فكرية على مساحة العالم الإسلامي كله لتغيير هذا الفكر، الذي يضر ديننا وعقيدتنا السليمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد