«علينا نحن المسلمين مراجعة تراثنا وتنقيحه وغربلته مما شابه من أفكار خاطئة، على أهل العلم ألا يقدِّسوا كتب التراث لأنها مجرد مجهود بشري معرَّض للنقد لا محالة، كتب التراث الإسلامي مصدرٌ للتطرُّف في كثير من الأحيان فالواجب على علماء الشريعة في عصرنا أن يعملوا على تصفيتها …» عباراتٌ كهذه تصدر من قِبَل كثير من «المفكِّرين» الذين يرفعون شعار التحقيق والنقد، ولا شكَّ أنها لقيت رواجًا كبيرًا بين عدة شرائح في المجتمع الإسلامي منهم: طلاب الشريعة التابعون للمؤسسات الرسمية في العالم العربي (الأزهر مثالًا على ذلك) والنشطاء الذين ينتهجون النهج العلماني والتغريبيون والحداثيون وغيرهم، وإذا تأملنا جوهر هذه «الدعوى» دون ملابساتها جزمنا أنها مسألة منطقية تمامًا، لأن التراث الإسلامي هو عمل بشري غير مقدَّسٍ ولا معصوم، لذا فهو يحتاج للتصويب والنقد دومًا حسب اختلاف الزمان والمكان وحسب التباين الفكري بين قارئي هذا التراث، فحتى الآن ليس هناك أي مشكلة في أصل الدعوى، بل هي مقبولة لا ينكرها أحد.

غير أننا حين نلتفت إلى الوراء لنتلمَّح مسيرة هذا التراث العظيم سنجد ظاهرة مهمة جدًّا غفل أو تغافل عنها أصحاب دعوى «غربلة التراث»؛ هذه الظاهرة أوضِّحها في نقطتين أساسيَّتين:

1- حركيَّة التراث، وأعني بها أن هذا الكمَّ الهائل من المؤلفات ليست مادة جامدة أو غيرَ قابلة للزيادة، بل منذ ظهور الكتابات العربية الأولى عمِل الفقهاء والكُتَّاب والأطباء واللغويين وغيرهم على تنشيط الكتابة في مجالات تخصصهم دون توقف، ولم يمنعْ أيُّ أحدٍ من كتابة المؤلَّفات أو نشر الكُتُب في أي مجال من المجالات الشرعية أو العلمية أو الأدبية، بل جميعنا يعرف كيف تزايدت حركة الكتابة وصناعة الأوراق وأدوات النسخ بصورة كبيرة جدا، حتى برزت وظائف خاصة بهذا المجال هي أشبه ما يكون بوظائف دور النشر حاليًّا، كصناعة الكاغد (الورق) والنسخ (الكتابة – الطباعة)، وكانت هناك محلَّات للنسخ في أسواق بغداد وقرطبة والقيروان والقاهرة ودمشق لم يخْلُ منها أي زمن عبر امتداد العصور الإسلامية دون أن تؤثر الأزمات السياسية وسقوط الدول أو ظهور دول أخرى في حرفة الكتابة وما يتعلق بها أصلًا، بل كان الأمراء والسلاطين يتنافسون في تقريب الكُتَّاب إلى قصورهم وشراء الكتب النادرة وإنشاء المكتبات العامة والخاصة، كان للمنصور بن أبي عامر -مثلا- مكتبة ضخمة جدًّا ضمَّت تقريبا كلَّ ما أُلِّفَ في المغرب والمشرق في ذلك الوقت، فضلًا عن آلاف المكتبات وأسواق النسخ في مختلِف المدن الإسلامية.

2- النقطة الثانية وهي مهمة جدًّا وبها يمكن أن نُسقط دعوى المطالبة بتنقيح التراث؛ ذلك أن تراثنا منذ انطلاق حركة الكتابة العربية شهِدَ حركةً مماثلةً هي ما كان يسمَّى في الأدبيات القديمة بـ«الردود، أو النقض» ولها مصطلحات أخرى وصور متعددة والمقصود منها أن الكتاب حين ينتشر بين المتخصصين يقوم بعضهم بقراءته قراءةً نقدية فاحصة ويسجل كل ما لاحظه من أخطاء أو تعقيبات، ليضع كتابًا بعد ذلك يجمع فيه تلك الملاحظات ويرسله إلى صاحب الكتاب الأول إن كان على قيد الحياة أو ينشره بين المتخصصين والطلبة حتى ينبِّهَهم على أوهام الكتاب الذي بين أيديهم، وهذا بالضبط هو ما يسمى اليوم بـ«تنقيح التراث وغربلته»، فأصحاب هذه الدعوى تخيَّلوا أن الفقهاء كانوا يكتبون كُتُبَهم ليملؤوا بها عقول القُرَّاء دون أن يتعرضوا للنقد! وهذا غريب جدًّا ويدلُّ على قلة اطلاعٍ فادحةٍ، ولا أدري هل نسِيَ هؤلاء أن أكثر الكتب الإسلامية قداسةً وأحظاها مكانةً في قلوب المسلمين قد تعرضت للنقد منذ صدورها؟ وسأضرب أمثلة في مختلِف المجالات حتى يتبين لأصحاب دعوى تنقيح التراث أن تراثنا ليس شيئًا مكدَّسًا أو مادَّةً ميِّتًةً، بل هو حركةٌ نشطة جدًّا تتمثل في ثنائية (الكتابة – الكتابة الناقدة)، وقبل ذلك أودُّ أن أذكر أقسام التأليف كما ذكرها العلماء وقد نظمها بعضهم في هذه الأبيات:

ألا فاعلَمَنْ أنَّ التآليفَ سبعةٌ … لكلِّ لبيبٍ في النصيحة خالصِ

فشرحٌ لإغلاقٍ وتصحيحُ مُخْطِئٍ … وإبداعُ حِبْرٍ مُقْدِمٍ غيرِ ناكصِ

وترتيبُ منثورٍ وجَمْعُ مُفَرَّقٍ … وتقصيرُ تطويلٍ وتَتميمُ ناقصِ

ويعني بذلك أن هناك سبعة أنواع من التأليف هي: (1- شرح مغلَق، 2- تصحيح خطإ، 3- إبداع، 4- ترتيب، 5- جمع، 6- تلخيص، 7- تتميم) فهناك على الأقل نوعان يندرجان في مسألة نقد التراث هما: التصحيح والتتميم، إذ كلاهما يقتضيان أن المصحح والمتمم عمله نقديٌّ بالدرجة الأولى، أما الأنواع الأخرى فتندرج في الكتابة الأصلية عمومًا، لذا حصرتُ ظاهرة التأليف في ثنائية (الكتابة والكتابة الناقدة)، فكلُّ كتابٍ من كتب التراث إمَّا أنه إبداعٌ من صاحبه أو نقدٌ لذلك الإبداع، فهل هناك أكثرُ وضوحًا من هذا الكلام حتى يعلم أصحابنا هؤلاء أن غربلة التراث هي جزءٌ أساسي وجوهري من التراث نفسه؟ وبعبارة أخرى: التراث ينقد نفسه، ولم تتوقف هذه الظاهرة التصحيحية ولن تتوقف ولا يحتاج التراث إلى هذه الدعوى لأنه ببساطةٍ لا يمكن تحصيل الحاصل، وهذا ما سأوضحه في الأمثلة الآتية:

– صحيح الإمام البخاري؛ وهو أشهر كتاب في جمع الأحاديث الصحيحة، نقده كثير من المحدِّثين منهم: أبو الحسن الدارقطني وأبو مسعود الدمشقي والحافظ ابن عبد البر القرطبي والإمام ابن حزم الأندلسي والحافظ أبو علي الجيَّاني الأندلسي وغيرهم، والأمر نفسه حدث مع صحيح الإمام مسلم.

– مذهب الإمام أبي حنيفة؛ حيث خالفه أشهر أصحابه وهما أبو يوسف ومحمد الشيباني في نحو ثلثي المذهب، أي أكثر من 60 % من آرائه الفقهية! وهذا يدل على نظر فقهي نقدي شديد التمحيص.

– مذهب الإمام مالك؛ حيث اختلف أصحابه إلى خمس مدارس جرت بينهم نقاشات في أصول المذهب وفروعه، هذه المدارس هي: المصرية والقيروانية والأندلسية والبغدادية والمدَنية.

– مذهب الإمام الشافعي؛ فقد كان للشافعي آراء في العراق تراجع عن كثيرٍ منها بعد ذهابه إلى مصر، وذلك ما يعرَف بالمذهبين القديم والجديد، وهذا يؤكد بوضوح أن الفقيه نفسه يتراجع عن آرائه السابقة بعد أن يعرِضها للنقد سواءٌ خلال بحوثه العلمية أو ما يصله من آراء من طرف أصحابه وتلاميذه وغيرهم.

– منهج علماء الحديث في نقد المرويَّات والأخبار؛ وهذا المنهج العلمي يعرف كلُّ من درسه واطَّلع عليه أنه منهجٌ صارمٌ لغاية أن نُقَّاد الحديث لا يعترفون بأي مكانةٍ شرفيَّة للرواة مقابلَ تطبيقهم المتكامل للقواعد الحديثية، وقد سلك اللغويون المسلك ذاته في نقد الشِّعْر والنصوص الواردة عن العرب، وهذا يدل على أن تمحيص التراث بلغ أوْجَه في مسيرة الكتابات العربية والإسلامية منذ القِدَم.

والكلام يطول في دحض هذه الدعوى التي يحاول بعضهم من خلالها إظهارنا وكأننا نقدس التراث ونمنحه مكانة القرآن الكريم، ولعل النقاط التي أسلفتُها والأمثلة التي ذكرتُها تكفي للإشارة على أن مسيرة النقد لم تتوقف أصلًا، وأن هؤلاء لم يأتوا بجديد في دعواهم تلك، اللهم إلا إذا كان المقصود منها الطعن في التراث الإسلامي على طريقة المستشرقين المتطرفين فهذا بابٌ آخر لا يدخل في غربلة التراث وإنما يدخل في الهجوم على الإسلام والحضارة الإسلامية ولا نرجو أن يكون أصحابنا هؤلاء في هذا الصف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد