نَرتحل أوقاتًا معدودة إلى عَبَق بستان السيرة النبوية لابن هشام، ليصفو الذهن وَيُبْصر العقل في ما بين زهوره النضرة ألوانها الطيَّبة ريحها، لنعرف ونعتبر ونمارس… مِمَّا دار في أول مجلس نواب حقيقي تمثلت فيه إنسانية رجال الجماعة المسلمة، وإذعانهم لتعاليم «لا إله إلا الله»

يروي لنا ابْنُ إسْحَاقَ: (وَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْحَازَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ إلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وَاعْتَزَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ ابْن الْعَوَّامِ وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فِي بَيْتِ فَاطِمَةَ، وَانْحَازَ بَقِيَّةُ الْمُهَاجِرِينَ إلَى أَبِي بَكْرٍ، وَانْحَازَ مَعَهُمْ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، فِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَأَتَى آتٍ إلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ: إنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنْ الْأَنْصَارِ مَعَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، قَدْ انْحَازُوا إلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ لَكُمْ بِأَمْرِ النَّاسِ حَاجَةٌ فَأَدْرِكُوا قَبْلَ أَنْ يَتَفَاقَمَ أَمْرُهُمْ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهِ لَمْ يُفْرَغْ مِنْ أَمْرِهِ قَدْ أَغْلَقَ دُونَهُ الْبَابَ أَهْلُهُ. قَالَ عُمَرُ: فَقُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ: انْطَلِقْ بِنَا إلَى إخْوَانِنَا هَؤُلَاءِ مِنْ الْأَنْصَارِ، حَتَّى نَنْظُرَ مَا هُمْ عَلَيْهِ).

هنا امتزج الدهاء السياسي بالإخلاص وتجرد النفس من الهوى وطلب الدنيا، فعمر رضي الله عنه كان بإمكانه استحداث عذرٍ لأبي بكر لإقناعه بالمكوث بجوار النبي، ليشهد تكفينه ودفنه والصلاة على نور الأمة صلى الله عليه وسلم، وينطلق ببعض من كبار المهاجرين إلى هؤلاء القوم الذين لا يبالون بالمصاب الجلل ويريدون اقتناص الفرصة وشق الصف والاستعجال في طلب الدنيا واستئثار الغنيمه، لكنْ كيف للشيطان أن يجد مُدخلًا إلى قلبين خضعا لتعاليم «لا إله إلا الله» وتربيا مع إخوانهم من الأنصار في حاضنة النبوة! هذه الحاضنة التي أنتجت منتجًا لُمْ تُنْتج حواضن البشرية جميعها مثلها، روى البخاري ومسلم عن سعد ابن أبي وقاص قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ). مُخاطبًا عمر رضي الله عنه 

يُقَدِّم عمر أبا بكر رضي الله عنهما عن نفسه، فما سبقه عمر قط في أمر من أمور الله، يقول الله عز وجل{ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم}، قَمعَ عُمرُ هواه وجاهد وصِدِّيقُ الأمة جهاد النفس والهوى والشيطان والدنيا، فأَتَمَّا حق الله عليهما، فهداهم الله في كل قول وفعل، فعلما أن إخوانهم من الأنصار ما اجتمعوا إلا لعظم الأمر، وعلموا بصدق نوايهم، فرزقهم الله التوفيق، ودهاءً سياسيًا مُنْقَطع النظير. هذا الدهاء السياسي نتج من الفهم الصحيح لتعاليم «لا إله إلا الله» وهي عدم سوء النية وإطلاق الوصف الصحيح على رجال الجماعة المسلمة بقوله «إخواننا» وأن يكون الحكم على القوم بعد السماع لقولهم والمشورة في أمرهم. 

ثم ينتقل بنا ابن هشام إلى توثيق دقيق مِنْ حَبر الأمة عبد الله بن عباس فيقول: (حَدَّثَنِي عَنْ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِي، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، قَالَ: وَكُنْتُ فِي مَنْزِلِهِ بِمنَى أَنْتَظِرُهُ، وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ فِي آخِرِ حِجَّةٍ حَجَّهَا عُمَرُ، قَالَ: فَرَجَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ، فَوَجَدَنِي فِي مَنْزِلِهِ بِمنَى أَنْتَظِرُهُ، وَكُنْتُ أُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا أَتَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلْ لَكَ فِي فُلَانٍ يَقُولُ: وَاَللَّهِ لَوْ قَدْ مَاتَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَقَدْ بَايَعْتُ فُلَانًا، وَاَللَّهِ مَا كَانَتْ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ إلَّا فَلْتَةٌ فَتَمَّتْ. قَالَ: فَغَضِبَ عُمَرُ، فَقَالَ: إنِّي إنْ شَاءَ اللَّهُ لَقَائِمٌ الْعَشِيَّةَ فِي النَّاسِ، فَمُحَذِّرُهُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُوهُمْ أَمْرَهُمْ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّ الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ رِعَاعَ النَّاسِ وَغَوْغَاءَهُمْ، وَإِنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ يَغْلِبُونَ عَلَى قُرْبِكَ، حِينَ تَقُومُ فِي النَّاسِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ تَقُومَ فَتَقُولُ مَقَالَةً يَطِيرُ بِهَا أُولَئِكَ عَنْكَ كُلَّ مَطِيرٍ، وَلَا يَعُوهَا وَلَا يَضَعُوهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا، فَأَمْهِلْ حَتَّى تَقْدَمَ الْمَدِينَةَ فَإِنَّهَا دَارُ السُّنَّةِ، وَتَخْلُصُ بِأَهْلِ الثِّقَةِ وَأَشْرَافِ النَّاسِ فَتَقُولُ مَا قُلْتُ بِالْمَدِينَةِ مُتَمَكِّنًا، فَيَعِيَ أَهْلُ الْفِقْهِ مَقَالَتَكَ، وَيَضَعُوهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا وَاَللَّهِ إنَّ شَاءَ اللَّهُ لَأَقُومَنَّ بِذَلِكَ أَوَّلَ مَقَامٍ أَقُومُهُ بِالْمَدِينَةِ…).

مرة أخرى ومرات لا يتتوقف سيل تكرارها تبهرنا أحوال رجال الجماعة المسلمة فيما بينهم.

يكتمل الرُشْد داخل الجماعة، فيستحيل أن يكتمل الرُشد بفرد مهما كان إلا أنبياء الله، فعمر رضي الله عنه صَدَّق القرآن على رأيه، يروي لنا الإمام السيوطي عن ذلك فيقول: وأخرج الشيخان عن عمر قال: وافقت ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت: {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}. وقلت: يا رسول الله يدخل على نسائك البر والفاجر فلو أمرتهن يحتجبن فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة فقلت عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن فنزلت كذلك. إذا كان لا بد للمنطق أن يلج قلب عمر، فبما أن الله أيَّده في قرارات عده فإنَّ كل ما ينطق به ما هي إلا إلهامات حضورية تتنزل عليه طبقًا للموقف الذي يتعرض له. لكنه رضي الله عنه فهم ووقر في قلبه تعاليم «لا إله إلا الله» فقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها

وقد كان عمر رضي الله عنه يسأل حذيفة بن اليمان فيقول: هل عدني لك رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنافقين فيقول لا. وقد روى البخاري عن ابن أبي مليكة أنه قال: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه.

فمن خلال الفهم الصحيح لهذه التعاليم الربانيه قبل سيدنا عمر رأي سيدنا عبد الرحمن بن عوف وأخذ بمشورته عن اقتناع، وهي أنَّ سنة الله لا بد وأن تسري عليه كما تسري على كل بني آدم، وأنه مهما بلغ من التقوى والورع والصلاح إلا أنه إنسان كباقي البشر قد يخطئ في تقدير رؤيته فيلهم الله أخيه صواب رؤياه لتكتمل دائرة العوز، لكنَّ صواب الرؤيا يستحيل أن يلهمه الله لرجال الجماعة المسلمة إلا بعد تمام تحقيق قول الله عز وجل {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}.

تنهمر علينا عبقرية رسول الله صلى الله عليه وسلم في تربيته لرجال الجماعة المسلمة كما تنهمر حبات المطر على أرض جدباء دون توقف فتحيها بعد موتها، فلم يؤثر النبي تربيته الدينية والسياسية والاجتماعية على أشخاص بعينهم من رجال الجماعة المسلمة، وإنما تساووا في التربية، وعلا بعضهم على بعض درجات بفضل قول الله عز وجل {ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم}، فكان رأي عبد الرحمن بن عوف رأيا سديدًا، حمى قوة أمير المؤمنين من الضعف وكسر الهيبه. وكان إصرار عمر على تبيان الحق والأخذ بمشورة أخيه ترسيخًا لقاعدة ربانية يقول الله عز وجل {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} وأن بيعة أبي بكر كانت هدى وتبيانًا من الله ولم تكن فلتة.

يتبع..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد