تحدثنا من قبل عن حاجة الأفراد والمجتمعات إلى التأريخ، فما من أمة من الأمم إلا ولها تأريخ وتقويم خاص بها يختلف عن غيرها من الأمم. فالتأريخ ما هو إلا انعكاس لشخصية الأمة والحافظ لذاكرتها.

وأشرنا إلى معاني بعض المصطلحات وهي (التأريخ) و(التقويم) و(التأقيت). ثم ذكرنا حال التقويم الهجري وغربته في ديار الإسلام. وشرعنا في بيان الأسباب العشرة للتمسك بالتأريخ الهجري القمري.

ثالثًا: ارتباط التأريخ الهجري بالعبادات والمعاملات الإسلامية:

هناك العديد من العبادات والطاعات في الإسلام لا سبيل إليها إلا عن طريق معرفة ومراقبة التأريخ الهجري القمري! فإذا استعرضنا أركان الإسلام –مثلًا- نجد أن ثلاثة أركان لا سبيل إليها إلا عن طريق معرفة التأريخ الهجري القمري!

ففريضة الزكاة: وهي الركن الثالث من أركان الإسلام، من شروط وجوبها مضيّ عام أو حَوَلان حول قمري على ملك النصاب، لقوله صلّى الله عليه وسلم: “وَلَيْسَ فِي مَالٍ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ” [رواه أبو داود- رقم: 1573 بإسناد حسن].

 

والحول في اللغة: السنة، وحول الزكاة قمري لا شمسي بالاتفاق كباقي أحكام الإسلام. وإذا ما تعسر على المكلف مراعاة الحول القمري بسبب ارتباط الحسابات المالية (الميزانية) بالسنة الشمسية الميلادية فإنه من باب رفع الحرج عن المكلفين، تُخرج الزكاة بالسنة الشمسية الميلادية ولكن مع زيادة نسبة الزكاة من (2.50%) إلى (2.575%) وذلك لأن السنة الميلادية تزيد عن السنة الهجرية –تقريبًا- بأحد عشر يومًا.

وفريضة صيام شهر رمضان: وهي الركن الرابع من أركان الإسلام الخمسة. قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185].

فإذا كان القرآن والسنُّة نصَّا على الشهر الهجري –رمضان- الذي نصومه. ولكن كيف يبدأ الشهر؟ وكيف ينتهي؟ أو بعبارة أخرى متى نصوم ومتى نفطر؟ يجيب عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُبِّيَ-من الغباوة وهي عدم الفطنة وهو استعارة لخفاء الهلال- عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ” [رواه البخاري-رقم: 1909].

ولعل من الحكم التي نتلمسها في ارتباط فريضة الصيام بشهر رمضان وفقًا للسنة القمرية لا الشمسية هي (دوران) فريضة الصوم على فصول السنة كلها! فتارة تأتي في الشتاء وتارة في الصيف وتارة في الربيع وتارة في الخريف، ولو كانت وفقًا للسنة الشمسية لصام الناس رمضان أبد الدهر في فصل الصيف مثلًا–ولشق ذلك عليهم-أو في فصل الشتاء مثلًا، وذلك ليعتاد الناس على العبادة في كل الأوقات والأحوال.

 

وفريضة الحج: وهي الركن الخامس من أركان الإسلام ترتبط أيضًا بالتأريخ القمري الهجري. وفي ذلك يقول تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾[البقرة: 197]، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189]. ففريضة الحج لها ما يعرف بـ (المواقيت الزمانية) والمواقيت هي مواضع وأزمنة معينة لعبادة مخصوصة. وهي لفريضة الحج –عند جمهور العلماء- شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة.

 

فلا سبيل إلى فريضتي الصيام والحج إلا بالتأريخ الهجري القمري. أما فريضة الزكاة فقد أجاز أهل العلم استعمال التأريخ الشمسي الميلادي من باب التيسير ورفع الحرج على المكلفين.

أيضًا في بعض الطاعات المندوبة لا سبيل إليها إلا عن طريق الـتأريخ الهجري القمري كصيام عاشوراء ويوم عرفة وصيام الأيام القمرية -الأيام البيض الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر هجري-. وسُميت بالليالي البيض لاستنارة جميعها بالقمر. وفي الحديث: “صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صِيَامُ الدَّهْرِ، وَأَيَّامُ الْبِيضِ صَبِيحَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ”. [سنن النسائي برقم: 2420 وحسنه الألباني].

كما أن كل المعاملات التي تقبل التأجيل والتأقيت من بيوع وإجارات وغيرها تكون وفقًا للأهلة لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189]. وتقدم قول ابن عباس عن الأهلة: “يعلمون بها حِلَّ دَيْنهم، وعدّة نسائهم، ووقتَ حَجِّهم”.

 

أيضًا ترتب الآثار الشرعية كعدة النساء، ومدة الحمل والرضاع، والكفارات وغيرها لا تكون إلا بالأهلة التي شرعها الله لعباده في الاحتساب.

 

رابعًا:سهولة التأريخ الهجري القمري ويسره ووضوحه:
هناك العديد من الأسباب التي أدت إلى الإعتماد على التأريخ الميلادي الشمسي منها: اعتماد التقنيات الحديثة عليه كالهواتف وأجهزة الحاسب الآلي والساعات وغيرها. ولكن ماذا لو فقد الإنسان هذه التقنيات لأي سبب، ماذا سيفعل؟ في التأريخ الهجري القمري ما عليه إلا النظر إلى السماء فحسب!

 

وعند ذلك سيستطيع أن يعرف هل هو في أول الشهر أم في وسطه أم في آخره. قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: 39]. فالله تعالى قدَّر للقمر منازل ينزل فيها في كل ليلة على هيئة خاصة، وأدوار القمر معروفة وذلك لأن القمر جرم سماوي مظلم لا يشع بذاته بل يستمد ضياءه من الشمس. ولذا وصف القرآن الشمس بأنها (ضياء) والقمر بأنه (نور) في قوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس:5]. فضياء الشمس حقيقي، والقمر لا ضياء فيه وإنما نوره نسبي في انعكاس ضوء الشمس عليه، ولذا كان له منازل.
منازل (أطوار) القمر:

 

1. هلال أول الشهر (القمر على هيئة قوس صغير).
2. تربيع أول (نصف قرص القمر مضيء).
3. أحدب متزايد. ( ما بين التربيع والبدر).
4. بدر (قرص القمر مضيئًا جميعًا).
5. أحدب متناقص.
6. تربيع ثانٍ.
7. هلال آخر الشهر.
8. محاق.

 

قال صاحب الظلال: “والعباد يرون القمر في منازله تلك. يولد هلالًا. ثم ينمو ليلة بعد ليلة حتى يستدير بدرًا. ثم يأخذ في التناقص حتى يعود هلالًا مقوسًا كالعرجون القديم. والعرجون هو العذق الذي يكون فيه البلح من النخلة. والذي يلاحظ القمر ليلة بعد ليلة يدرك ظل التعبير القرآني العجيب ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ وبخاصة ظل ذلك اللفظ ﴿الْقَدِيمِ﴾. فالقمر في لياليه الأولى هلال.

وفي لياليه الأخيرة هلال. ولكنه في الأولى يبدو وكأن فيه نضارة وفتوة. وفي الأخيرة يطلع وكأنما يغشاه سهوم ووجوم، ويكسوه شحوب وذبول. ذبول العرجون القديم! فليست مصادفة أن يعبر القرآن الكريم عنه هذا التعبير الموحي العجيب!”.

هذا اليسر والوضوح في التأريخ القمري الهجري، حيث يستطيع أن يدركه ويعرفه الإنسان البسيط الأمي، والإنسان المتعلم المثقف بمجرد النظر إلى السماء فحسب.

وفي الحديث الشريف “إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا، يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً ثَلاَثِينَ” [رواه البخاري-رقم: 1913]. وقوله صلى الله عليه وسلم: “وَلاَ نَحْسُبُ” أي لا نعرف حساب النجوم وتسييرها فلم نكلف في مواقيت عباداتنا ما يحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا كتابة. وهذا على العكس تمامًا من التأريخ الشمسي الميلادي والذي لا يستطيع الإنسان أن يعرفه إلا عن طريق الحساب والكتابة. وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة: 185].

خامسًا: ارتباط التأريخ القمري الهجري بأعياد الأمة:

لما كان التأريخ الهجري القمري مرتبطًا بالعبادات والتشريعات، ارتبط أيضًا بأعياد الأمة الإسلامية لارتباطها بالعبادات والتشريعات. ففي سنن أبي داود عن أنس، قال: قَدِمَ رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- المدينةَ ولهم يَوْمَانِ يلعبون فيهما، فقال: “ما هذان اليومَان؟” قالوا: كنا نلعبُ فيهما في الجاهلية، فقال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-: “إنَّ الله قَدْ أبدَلَكُم بهما خَيرًا مِنهما: يَومُ الأضحى، ويَومُ الفِطرِ”. [رقم: 1134 بإسناد صحيح].

فأصل كلمة “العيد”: عَوْدٌ، لأنه مشتق من: عاد يعود عودًا، لأنه يعود بالفرح في كل عام. وسُمي العيد بهذا الاسم؛ لأن لله تعالى فيه عوائد الإحسان أي أنواع الإحسان العائدة على عباده في كل عام، منها الفطر بعد المنع عن الطعام وصدقة الفطر، وإتمام الحج بطواف الزيارة، ولحوم الأضاحي وغيرها؛ ولأن العادة فيه الفرح والسرور.

وهل تستطيع الأمة الاحتفال بأعيادها التي شرعها الله لها إلا عن طريق التأريخ الهجري واستطلاع الأهلة في كل عام؟!

ومن الرحمات أن الأمة بأكملها تتحرى استطلاع ثلاثة أشهر: شهر رمضان لتبدأ فريضة الصيام، وشهر شوال لتخرج من الصيام، وشهر ذي الحجة لإثبات يوم عرفة من أجل فريضة الحج. ورغم أن قضية اختلاف المطالع تثار عند استطلاع هلال شهر رمضان المبارك إلا أنها تختفي عند استطلاع هلال شهر ذي الحجة لتتوحد الأمة من جديد على هلال شهر ذي الحجة.

 

والواجب علينا –على المستوى الشعبي والرسمي- أن نهتم باستطلاع أهلة الاثني عشر شهرًا. فرَبُّ هلال رمضان وشوال وذي الحجة هو رَبُّ هلال المحرم وصفر وربيع الأول. فهو شرعه ودينه وما ارتضاه لنا من تقويم.

يتبع،

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد