تحدثنا من قبل عن أسباب التمسك بالتأريخ الهجري القمري، وذكرنا أن هناك عشرة أسباب رئيسة تجعلنا نتمسك بالتأريخ القمري الهجري، ونعمل على إحياء العمل به، وعودته مرة أخرى إلى حياة الأفراد والمجتمعات. وهي:

1. أنه شرع الله تبارك وتعالى.

2. إجماع الصحابة على العمل به.

3. ارتباط التأريخ الهجري بالعبادات والمعاملات الإسلامية.

4. سهولة التأريخ به ويسره ووضوحه.

5. ارتباط التأريخ الهجري القمري بأعياد الأمة الإسلامية.

6. ارتباط التأريخ الهجري القمري بلغة العرب.

7. ارتباط التأريخ الهجري القمري بالعقيدة الإسلامية.

8. دقة التأريخ الهجري القمري وصحته وخطأ التأريخ الشمسي الميلادي.

9. ارتباط التأريخ الهجري القمري بتاريخ الأمة العريق.

10. ارتباط التأريخ الهجري القمري بهوية الأمة العربية والإسلامية.

ثامنًا: دقة التأريخ الهجري القمري وصحته وخطأ التأريخ الشمسي الميلادي:

نص القرآن الكريم على (بدعة) خطيرة ابتدعها مشركو العرب ألا وهي بدعة (النسيء) في الأشهر الحرم. فقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: 37].

قال الشوكاني: “النسيء فعيل بمعنى مفعول من قولك: نسأت الشيء فهو منسوء: إذا أخرته، ثم تحوّل منسوء إلى نسيء كما تحوّل مقتول إلى قتيل. وكانت العرب تحرّم القتال في الأشهر الحرم المذكورة، فإذا احتاجوا إلى القتال فيها قاتلوا فيها وحرّموا غيرها. فإذا قاتلوا في المحرّم، حرّموا بدله شهر صفر، وهكذا في غيره.

 

وكان الذي يحملهم على هذا: أن كثيرًا منهم إنما كانوا يعيشون بالغارة على بعضم البعض، ونهب ما يمكنهم نهبه من أموال من يغيرون عليه، ويقع بينهم بسبب ذلك القتال، وكانت الأشهر الثلاثة المسرودة يضرّ بهم تواليها وتشتدّ حاجتهم وتعظم فاقتهم. فيحللون بعضها ويحرّمون مكانه بقدره من غير الأشهر الحرم، فهذا هو معنى النسيء الذي كانوا يفعلونه”.

وفي صحيح البخاري عن أبي بكرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاَثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ، مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى، وَشَعْبَانَ” [صحيح البخاري- رقم: 4662].

 

قال الحافظ النووي: “وأما قوله صلى الله عليه وسلم إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض فقال العلماء معناه أنهم في الجاهلية يتمسكون بملة إبراهيم صلى الله عليه وسلم في تحريم الأشهر الحرم وكان يشق عليهم تأخير القتال ثلاثة أشهر متواليات فكانوا إذا احتاجوا إلى قتال أخروا تحريم المحرم إلى الشهر الذي بعده وهو صفر ثم يؤخرونه في السنة الأخرى إلى شهر آخر وهكذا يفعلون في سنة بعد سنة حتى اختلط عليهم الأمر وصادفت حجة النبي صلى الله عليه وسلم تحريمهم وقد تطابق الشرع وكانوا في تلك السنة قد حرموا ذا الحجة لموافقة الحساب الذي ذكرناه فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الاستدارة صادفت ما حكم الله تعالى به يوم خلق السماوات والأرض”.

إذًا نص القرآن الكريم على ظاهرة (العبث) بالأشهر القمرية لا سيما الحُرم منها، ونصت السُّنة المطهرة على صحة (حساب) الأشهر مرة أخرى وموافقة شهر ذي الحجة في السنة التي حج فيها النبي صلى الله عليه وسلم لحكمه عند الله تعالى.
بينما الأشهر الشمسية الميلادية فإنها لم تخل من ظاهرة العبث بها والتحريف! بنص كلام المؤرخين الغربيين أنفسهم ورجال الدين عندهم!

جاء في ويكيبيديا، الموسوعة الحرة: “وقد كان يناير وفبراير آخر الشهور التي تمت إضافتها للتقويم الروماني، فقد عدَّ الرومان أن الشتاء فترة لا تحتوي على شهور. وتقريبًا في عام 700 قبل الميلاد قام رومولوس خليفة الملك نوما بومبيليوس بإضافة الشهرين يناير وفبراير ليصبح التقويم مساويًا للسنة القمرية. وقد كان فبراير حسب ما اقترحه نوما يحتوى على 29 يومًا (30 يومًا في السنة الكبيسة). ولكن أغسطس قام بحذف يوم من شهر فبراير ووضعه في شهر أغسطس، والذي تم تسميته كذلك للشهر تكستاليليس، وذلك لتمجيد اسمه، بحيث لا يحتوى شهر يوليوس قيصر يوليو على أيام أكثر!”.

ويقول الأستاذ العقاد في كتابه (حياة المسيح عيسى بن مريم عليه السلام في التاريخ وكشوف العصر الحديث): “يُفهم من رقم التقويم الميلادي أن السيد المسيح وُلد في السنة الأولى للميلاد، وعلى هذا الحساب يجرى العمل بين الأمم الأوروبية منذ سنة 532 للميلاد، وهي السنة التي دعا فيها الراهب دينوسيس الصغير، إلى تأريخ الأيام من السنة الأولى للميلاد، وصحح الحساب على تقديره ثم جرى العمل على حسابه إلى الآن.
وقد حقق بحوثه ومراجعاته ما استطاع في زمانه فلم يسلم من الخطأ في حساب بضع سنوات، ثم تعذر إصلاح هذا الخطأ عند ثبوته فتقرر استدراكه بإضافة أربع سنوات إلى التقويم القديم الذي يحسبه أصحابه منذ بدء الخليقة، واعتبروا أن السيد المسيح ولد في سنة أربعة آلاف وأربع بحساب ذلك التقويم. أما القول الراجح في تقدير المؤرخين الدينيين وغير الدينيين فهو أن ميلاد السيد المسيح متقدم على السنة الأولى ببضع سنوات، وأنه على أصح التقديرات لم يولد في السنة الأولى للميلاد”.

وممن قال أيضًا بخطأ التأريخ الشمسي الميلادي بابا الفاتيكان – السابق- المستقيل! بندكت السادس عشر في كتاب له بعنوان (يسوع الناصري). وهو كتاب من ثلاثة أجزاء نُشر الجزء الأول منه عام 2007م، ثم تلاه الجزء الثاني عام 2011م، ثم الجزء الثالث عام 2012م، والذي تكلم فيه عن خطأ التأريخ الميلادي الحالي نتيجة للخطأ الذي وقع في القرن السادس الميلادي من قبل راهب يدعى “ديانيسيم الأصغر”.

تاسعًا: ارتباط التأريخ الهجري القمري بتاريخ الأمة العريق:

من الأمور التي لا خلاف عليها بين العلماء فضلاً عن العقلاء أهمية دراسة التاريخ بوجه عام، ودراسة تاريخ الأمة بوجه خاص. وقد قال المؤرخ ابن الأثير (555- 630هـ =1160- 1233م) في كتابه (الكامل في التاريخ): “ولقد رأيت جماعة ممّن يدّعي المعرفة والدراية، ويظنّ بنفسه التبحّر في العلم والرواية، يحتقر التواريخ ويزدريها، ويعرض عنها ويلغيها، ظنًّا منه أن غاية فائدتها إنّما هو القصص والأخبار، ونهاية معرفتها الأحاديث والأسمار، وهذه حال من اقتصر على القشر دون اللبّ فنظره، وأصبح مخشلبًا – خرز يتخذ منه حلي واحدته مخشلبة- جوهره، ومن رزقه اللّه طبعًا سليمًا، وهداه صراطًا مستقيمًا، علم أنّ فوائدها كثيرة، ومنافعها الدنيويّة والأخرويّة جمّة غزيرة”.

اقرأ التأريخ إذ فيه العبر *** ضل قوم ليس يدرون الخبر

وتأمل كيف أفنى ملكهم *** من على الملك تولَّى وقهر

وكان من فقه د. يوسف القرضاوي – حفظه الله- وهو يتحدث عن معركة السادس من أكتوبر يقول حرب الثالث والتسعين لا الثالث والسبعين! وقد كنت أظنه تصحيفًا مطبعيًا، ولكنه كان يؤرخ لمعركة العاشر من رمضان 1393هـ = 6 من أكتوبر 1973م بالتأريخ الهجري القمري.

وفي شهر رمضان من كل عام تأتي ذكرى غزوة بدر وفتح مكة في يومي السابع عشر، والعشرين من رمضان. فتاريخ الأمة وذكرياتها العظام مرتبطة بالتأريخ الهجري، من غزوات وفتوحات نسينها لما نسينا التأريخ الهجري القمري العربي الإسلامي وتركناه. وقد كانت كتب التاريخ الإسلامي تؤرخ للأحداث بالتأريخ الهجري القمري. فهل نستطيع إحياء ذكرى غزوة بدر وفتح مكة والقادسية واليرموك والزلاقة وبلاط الشهداء وغيرها من الأحداث مجردة عن تاريخها الذي حفظته الأمة جيلاً بعد جيل؟!

عاشرًا: ارتباط التأريخ الهجري القمري بهوية الأمة العربية والإسلامية:

قضية (الهوية) من القضايا المصيرية في حياة أي أمة من الأمم، وتكتنفها العديد من الزوايا والقضايا، ومنها قضية التأريخ والتقويم، فما من أمة من الأمم إلا ولها تأريخ وتقويم خاص بها تستقل به عن غيرها من الأمم. ونكتفي – على أن نفصل بعد ذلك- بما كتبه الشيخ محمد الغزالي (1335 – 1416هـ = 1917 – 1996م) في كتابه الحق المر جـ1 تحت عنوان: الويل لأمة تفقد ذاكرتها: “وظل التاريخ الهجري الضابط الأوحد للأحداث الخاصة والعامة حتى دهم المسلمين الاستعمار العالمي الأخير، وبدأ خطته في محو شخصيتهم وتشويه معالمهم، فإذا التاريخ الأوروبي يطارد التاريخ العربي ويحاول القضاء عليه، ومن الغرائب أن اجتياز قناة السويس وتحطيم خط “بارليف” وانتصار العرب على اليهود في معركة خارقة تم وفق خطة تحمل اسم “بدر” وتقع في العاشر من رمضان سنة 1393هجرية.
وقد تنوسي هذا التاريخ الهجري وذكر اليوم الموافق له من التاريخ الأوروبي، وأمسى الاحتفال به في السادس من أكتوبر كل عام! ذكرني ذلك بقصة تولي الملك “فاروق” عرش مصر وانتهاء مجلس الوصاية الذي تكون لأن الملك لم يكن قد بلغ بعد سن الرشد، لقد حسب عمره بالتقويم الهجري لأن ثماني عشرة سنة قمرية توفر بضعة شهور وتعجل بتسلم السلطة! حتى إذا تولاها طبق التاريخ الهجري اعتبر التاريخ الميلادي الموافق هو اليوم الرسمي لاحتفال الميلاد الملكي وتنوسي التاريخ الهجري تناسيًّا تامًا!

ومنذ أيام كنت أسمع إجابة علمية عن “صلاح الدين الأيوبي” فإذا المتحدث يذكره على أنه من رجال القرن الثاني عشر، يعني الميلادي بداهة. إنني أرفض كما يرفض كل مسلم أن يتدحرج التاريخ الهجري على هذا النحو الشائن، وأن يستمكن الغزو الثقافي من إهانتنا على هذا النحو! قد (أقبل) أن تضبط الوقائع بالتاريخين العربي والفرنجي على شرط أن يتقدم التاريخ الهجري، أو ينفرد في أغلب الأحيان، ولنعلم أن التقويم القمري يرتبط بعقائدنا وعباداتنا السنوية، وأنه بعد تحديد الهجرة رمزًا لدولتنا ودعوتنا أصبح تجاهل هذه الحقائق تهديدًا للإسلام واستطالة على رسالته ومسيرته، بل فصلاً للحاضر عن الماضي. والويل لأمة تفقد ذاكرتها، وتعيش بلا وعي!”.

 

وأخيرًا ، فإن التأريخ الهجري كما أوضحنا فريضة وضرورة حضارية تستلزم منا إحياء العمل به مرة أخرى، قبل أن يزاحمه التأريخ الشمسي الميلادي، ثم يتغلب عليه ويطرده طردًا من حياة الأمة على المستويين الفردي والرسمي، فإن كان التأريخ الميلادي صار ضرورة للاعتماد الرسمي عليه، فلا أقل من أن نذكر التأريخين الهجري والميلادي مقترنين، على شرط أن يتقدم التاريخ الهجري – كما اشترط الشيخ الغزالي- ونستعمله في حياتنا الشخصية على أقل تقدير.

 

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد