كانت الثورة بالنسبة له ميلادًا جديدًا، صُدم من هذا العالم الذي قد نساه، بدأ يسترجع ما كان عليه قبلها، بدأ يصحو من غفلته، تحرك، التحم مع الحشود، هتف معهم، بكى يوم رحيل مبارك، ثم بدأ حياته، أين يتجه؟ ماذا يفعل؟ كيف يكمل ثورته؟

اتجه إلى من يعرفهم ويعرفونه، هم بدورهم احتضنوه، وجدوا فيه شابًا في مقتبل العمر، في قمة الحماسة لا ينقصه سوى التوجيه. لم يكن يدري أن أيادي الأيديولوجيا قد تلقفته لتحوله من ثائر إلى مجرد “آلة” تتلقى المدخلات من رئيسها، تتحرك بها على ألا سبيل للحياة بغيرها، تنشرها بين الناس لتعود إلى رئيسها بأعلى إنتاج!

هنا بدأت حياة البؤس بغير ميعاد، وللأسف بغير إدراك، المصيبة أنه كان يحسب أنه يحسن صنعًا، في الحقيقة توقف تفكيره عند ما يقوله “المسئول”، كل خبر كاذب حتى يثبت صحته من المسئول، كل خبر صادق غير مفهوم حتى يوضحه “المسئول”.

السؤال: من المسئول؟! ومسئول عن ماذا؟! مسئول عن تعبئة هذا العقل “التابع” بما يجعله يتحرك، ثم يفرغ من الحركة إلى الحركة ومنها إلى الحركة أيضًا! وكأن عقل صاحبنا قد أكتمل وقادر على تفسير كل شيء يحدث في العالم، ولمَ لا فقد امتلك ما لم يمتلكه أحد في العالم، امتلك الأيديولوجيا!

 

صناعة المسلمات

 

بؤس تلك الأيديولوجيا أنها تكون حائلًا بين الإنسان، وبين أن يسأل الأسئلة الأولية البديهية، من أنا؟ ماذا أفعل؟ لماذا أفعله؟ ما مدى صحة الوسائل؟ ما هو وسيلة وما هو غاية؟ ما هو ثابت وما هو متغير؟ التأمل في مثل تلك الأسئلة قادر على هدم الأيديولوجيا من أساسها؛ فلا يجب أن تُطرح، وإن كان لا بد فلتكن الإجابات جاهزة ومعلبة، مصحوبة بتلك الشعارات البراقة وشيء من التعنيف: “أهذا سؤال يُسأل عيب عليك يا أخي والله”.

وفي كل مرة توضح الأيديولوجيا رؤيتها، لا توضحها! إنما توضح آليات تحقيق الرؤية المسلم بها أصلًا، مرة بعد مرة تتحول الاجتهادات إلى اعتقادات، والآليات إلى مسلمات، والمتغيرات إلى ثوابت. من يفكر فيها فقد خان الله ورسوله، والأيديولوجيا!

 

 

تصنيفٌ وأحكام

 

بؤس تلك الأيديولوجيا أنك تتعامل مع الناس على أنهم من دون البشر ولا سبيل لهم أن يرتقوا لمرتبة البشر إلا بمثلك أيها “المخلص”، وبالطبع نادرًا ما يرتقي منهم أحد ليكون في منزلة المؤدلجين القريبة من السماء، كل ما على الناس أن يتبعوك إن أرادوا حياة كالحياة، يومها سيكونون “شعبًا عظيمًا” وإن فعلوا العكس فهم “العبيد والبهائم”!

ستتعامل مع الناس على أنهم إما معك فهم أفضل خلق الله، وإما عليك فهم أشر خلق الله ومن في المنتصف هم الصيد الثمين الذي يجب أن تجذبه بأي شكل من الأشكال لجنتك -جنة الأيديولوجيا-.

مشكلة هذا التصنيف أنه بعيد كل البعد عن عن الرسالة –رسالة الوحي- مشكلته الأساسية أنك لا تتعامل مع الإنسان على أنه “إنسان” من قلب وجسد وروح، إنما على أنها أوراق لعب، بيادق على رقعة الشطرنج، لست صادقًا في طلب هدايتهم فقط تريد أن يزيد العدد، يزيد القطيع!

 

 

أحلام كارثية

 

بؤس تلك الأيديولوجيا في ذلك الحلم اليوتوبي، في هذه الجنة التي ستعيش فيها رغدًا بمجرد اتباع الأيديولوجيا، في هذه الصدمة حينما لا يتحقق الحلم، وهذا الشك في كل شيء ثم الارتداد على كل شيء بعدها، في الاستعانة بكل ما هو مقدس لخدمة الأيديولوجيا، فإذا فشلت الأيديولوجيا فقد فشل المقدس وبالطبع لا سبيل لنجاحه إلا بنجاح الأيديولوجيا!

يتضح الفراغ الفكري عند تلك الجماعات المؤدلجة الحركية في تلك الأوقات -أوقات الفشل- فتلجأ بالتأكيد إلى العاطفة؛ فتعوض هذا النقص بزيادة الرموز، الشعارات، الاجتماعات والعلاقات, كل ما يغري النفس للبقاء في الجماعة، فإذا اعترض فأين يذهب؟ وأين يجد تلك الأجواء؟!

بؤس تلك الأيديولوجيا في أنك تفقد ذاتك، تفقد أي استقلال لفكرك، تفقد ذلك البرهان على تصرفاتك ثم تفقد حريتك، نعم قد يكون بعض التنازل عن الحرية مهمًّا في العمل الجماعي، إنما الخلل أن يكون الفقد هو الأساس!

 

 

البؤس والبؤس المضاد

 

 

تلك الظاهرة السيئة ينتج عنها ظاهرة أسوأ هي الارتداد كلية عن أفكار الأيديولوجيا، فليس كل ما تحمله الأيديولوجيا خطأ بالضرورة، قد يكون صوابًا لكن حركة الأيديولوجيا هي سبب انحرافه.

والبؤس المضاد في الارتداد كلية عن كل تلك الأفكار، فتميّع الثوابت -كل الثوابت- بحجة ترك الأيديولوجيا، تستحل لنفسك الحرام مخالفة للأيديولوجيا، تمتنع عن الحلال مخالفة للأيديولوجيا، فكما صاغت الأيديولوجيا إنسانًا بلا إرادة أو حرية، صنع الارتداد عنها إنسانًا هدفه في الحياة أن يخالف الأيديولوجيا، أن ينفي عنه صفة الأدلجة!

 

الطريق

 

تجربة بائسة عاشها صاحب الكلمات ظلم فيها كثيرًا، حكم على بشر بالضلال لمجرد مخالفتهم لأفكاره –أقصد أفكار الأيديولوجيا-، أورث هذا صورة ذهنية سيئة عن هذا الإنسان المؤدلج، الذي لا يريد سوى ضمك إلى صفوف جماعته أو حزبه، ويستمر هذا البؤس حتى بعد أن تتجرد من الأيديولوجيا، فقد فقدت مصداقيتك.

تلك البداية من هذا التخلي عن أي فكر سوى ما كان وحيًا كما فهمه الرسول –صلى الله عليه وسلم- وصحابته، ثم التحلي برسالة الوحي والتشبع بها.. فإذا فهمتها ووعيتها، تنشرها، لا أمل له الآن بعد سنين بائسة مع الأيديولوجيا فقد فيها ذاته وضاعت فيها ثورته، إلا أن يعيش بتلك الرسالة ولهذه الرسالة، لا شيء سوى أن يعلمها جيدًا وينشرها كما هي، لا يطلب من أحد سوى أن يعرف الطريق الذي لا يملكه –وما كان لأحد- أن يعرف طريقه إلى الله فيسلكه من أي مسلك شاء.

لا تصنيف مجددًا، الناس كل الناس معنيون بتلك الرسالة برهم وفاجرهم، مسلمهم وكافرهم. وليس له الآن إلا أن يتحرك بذلك التصور المستمد من الوحي من أجل أن نكون مسلمين، ومسلمين لله فقط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد