يحظى العالم الإسلاميّ بالعديد من المدن والمعالم ذات الرمز التاريخي والديني في آن معًا، ولهذه المعالم أهميّة عظمى تقتضي منّا أن نحافظ عليها من أيّ عبث أو إساءة. فكل بلد من بلاد المسلمين له خصوصيّة وأهميّة بالغة بقدر ما دلّت عليه نصوص الشريعة ووصايا الأوّلين من الأنبياء والصدّيقين، والصحابة والتابعين. وفي مطلع الحديث عن أهميّة المكان نتحدّث عن مكّة أمّ القرى وقبلة الإسلام والمسلمين، ونتحدّث عن المدينة المنوّرة وعلى ساكنها أفضل الصلاة وأتمّ التسليم، وفي هذا الشأن نذكر المكان الثالث وهو لبّ حديثنا ألا وهو بيت المقدس؛ ذو المكانة العريقة في نفوس المسلمين في كل مكان، حيث يعتبر المرآة التي عكست حضارات الشعوب التي مرت به على مدى التاريخ، وهو المكان الذي دلّ على أهميّته نصوص الدين الواضحة في القرآن والسنّة؛ فهو أرض المحشر والمنشر، عن ميمونة مولاة النبي ﷺ قالت: «يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَفْتِنَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَالَ أَرْضُ الْمَنْشَرِ وَالْمَحْشَرِ ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ فَإِنَّ صَلَاةً فِيهِ كَأَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ قَالَتْ أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يُطِقْ أَنْ يَتَحَمَّلَ إِلَيْهِ أَوْ يَأْتِيَهُ قَالَ فَلْيُهْدِ إِلَيْهِ زَيْتًا يُسْرَجُ فِيهِ فَإِنَّ مَنْ أَهْدَى لَهُ كَانَ كَمَنْ صَلَّى فِيهِ» (مسند أحمد). أضف إلى ذلك أنه القبلة الأولى للمسلمين ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، كما جاء عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا» (رواه البخاري). ولا يخفى على أحد أنه المكان الوحيد الذي أسري بالنبي ﷺ إليه؛ عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ قَالَ فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ قَالَ فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَالَ ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ… ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ…» (صحيح مسلم). فعندما أسري بالرسول الكريم محمّد عليه الصلاة والسلام إلى بيت المقدس، فأمَّ الصلاة بكل الرسل والأنبياء، ثم عرج إلى السماء السابعة ليرى الله ويمرّ بالجنة والنار، ويرى أهوال النار ونعيم الجنة، وفي هذه الحادثة فرضت الصلاة وكان بيت المقدس قبلتها، قال الله عزّ وجلّ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾؛ فهذا يعني أنّ المسجد الأقصى وما حوله أرض مباركة، فجعل بركته بركة مطلقة غير محددة ولا مقيدة، فهي مباركة زمانًا ومكانًا وإنسانًا، ويتشارك المسلمون مع الديانات الأخرى في تبجيل أنبيائهم الذين جاء محمّد عليه الصلاة والسلام ليتمم رسالتهم. ولا ننسى أن بيت المقدس رباط الطائفة المجاهدة المنصورة، وعقر دار المؤمنين، عن أبي أمامة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيْنَ هُمْ قَالَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ» (مسند أحمد).

وإن أردنا أن نتعرَف على مكانة بيت المقدس الأرض المباركة المقدسة في كتاب الله عزّ وجل فإنّنا سنجد بين سطوره ذكره، حيث يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء-71). وقال أيضًا: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ (الأعراف-137)، وقال عزّ من قائل: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ (المائدة-21).

فنجد أن الله سبحانه وتعالى بارك أرض بيت المقدس بالأنبياء الذين هاجروا إليها أو عاشوا فيها، حيث جعل بركتها بركة مطلقة غير محددة ولا مقيدة ،فهي مباركة زمانًا ومكانًا وإنسانًا فجعلها الله لأمة الخلافة والشهادة على الناس «أمة محمد ﷺ» مقابل الحفاظ عليها وإفشال مؤامرات الكافرين والطامعين فيها.

ولقد شهد بيت المقدس على مر التاريخ العديد من الحروب؛ نظرًا لمكانته الدينية في الأديان الثلاثة: الإسلام والمسيحية واليهودية، وتأتي أهمّيّته التي جعلته محط أنظار العالم من موقعه الجغرافيّ المتميّز الذي يربط بين شمال آسيا من الشمال (الشام) إلى جنوب إفريقيا (مصر) أضف إلى ذلك الأهمّيّة الدينيّة التي يتميّز بها عن غيره من الدول فضلًا عن موقعه الجغرافي كما ذكرنا سابقًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد