ثمانون سنة مرت منذ نشوب الحرب العالمية الثانية وسقوط فرنسا بسبب الحملة العسكرية التي شنتها ألمانيا النازية آنذاك، ثمانون سنة مرت على صورة الزعيم النازي هتلر من أمام برج إيفل في باريس، الصورة التي كانت وما زالت مهينة في نظر الشعب الفرنسي في دلالة واضحة على انتصاره وإهانته لهم في قلب عاصمة الأنوار. شاركت فرنسا في حروب خارجية عديدة منذ ذلك الحين، ولم تتجرأ أي دولة أن تحذو حذو الدولة النازية في احتلالهم، حتى جاء المسلمون في نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين عبر احتلال اقتصادي عن طريق جبنة «لافاش كيري» لنصرة لمحمد نبي الإسلام.

تكاتف المجتمع الإسلامي عبر بقاع العالم لمقاطعة هذه الجبنة البريئة التي أصبح اقتناؤها يعتبر جريمة وجودية توازي الكفر بالله، ولم يكتف المسلمون بهذا فقط بل دعا بعضهم إلى فتح فرنسا وقطع رأس الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ليصبح عبرة لكل من سولت له نفسه أن يتجرأ على الدين الإسلامي الذي جاء ليتمم مكارم الأخلاق ويخرج الناس من الظلمات إلى النور.

هذا التضامن غير المشروط والتكاتف من أجل نصرة نبي الإسلام لم يكن ليحصل بدون إيمانويل ماكرون الذي يمكن اعتباره خليفة جديد للإسلام في عصر التطور وعالم التكنولوجيا، لأن منذ سقوط الدولة العثمانية عجز المسلمون عن توحيد صفوفهم تحت راية واحدة من أجل إحياء تاريخ دموي كتب عن طريق السيف، حاول العديد من القادة والرؤساء خلال القرن الماضي لكن باءت كل محاولاتهم بالفشل إلى أن جاء إيمانويل ماكرون ووحد صفوهم تحت شعار واحد ألا وهو فداك «لافاش كيري يا رسول الله» . توحدت صففوهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي متناسين اختلافاتهم الفكرية والدينية والسياسية. بفضل خليفة الإسلام الجديد إيمانويل ماكرون، رأينا السني يناشد الشيعي لمقاطعة منتجات فرنسا، ورأينا السلفي يتحد مع التنويري، ورأينا القطري يردد مع السعودي شعارات مختلفة لنصرة نبيهم، ورأينا الهندي يتحالف مع الباكستاني تاركين خلفهم كل النزاعات السياسية التي كانت تفرقهم في الماضي.

إذا كان شخص ما يستحق جائزة نوبل للسلام هذه السنة فهو الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بسبب نجاحه في توحيد أكثر من 1.8 مليار شخص عبر العالم، شيء لم يفعله لا أسامة بن لادن ولا أبو بكر البغدادي ولا رجب طيب أردوغان، الذي حاول بكل طرقه الملتوية أن يضم الدول الإسلامية لصفه ليعلن نفسه خليفة للمسلمين. اتحاد المسلمين هذا جاء بعد أن قطع تلميذ رأس أستاذه بعد درس حول حرية التعبير، حرية التعبير التي يعدها الإسلام صالحة إن كانت في صالحه، وباطلة إن كانت ضده، فالدين الذي يضرب أمثلة بالكلب والحمار ويعتبر المشركين نجسًا، والمسحيين كفارًا وجب فرض الجزية عليهم وهم صاغرون يجد معتنقوه صعوبة بالغة في تقبل آراء الآخرين حول دينهم.

الحق في حرية التعبير منصوص عليه في المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ولا يحق لأي كان أن يسلب هذا الحق من الناس. دولة علمانية قامت بثورة فكرية غيرت الفكر السياسي للعالم للأبد تريد منها أن تتخلى عن قيمها وحرية شعبها في ممارسة حقوقه فقط لأن البعض خدشت مشاعرهم برؤية كاريكاتير ساخر عن نبيهم، لماذا لم تخدش مشاعرهم عند رؤية داعش تقطع رؤوس الناس تحت راية الإسلام وبعلم يحمل اسم نبيهم؟ لماذا لم نر مظاهرات في الدول الإسلامية تتبرأ من داعش وأخواتها؟

الصحيفة نفسها التي نشرت كاريكاتور عن محمد تسخر بشكل أسبوعي من المسيحية، حتى إن لها كاريكاتور شهير عن الأب والابن وروح القدس. لماذا لم نر مظاهرات من مسيحيي العالم ضد هذه الصحيفة؟ لماذا لم نسمع عن رؤوس تقطع لنصرة المسيح؟ أم أن التطرف والإرهاب حصر على المسلمين فقط؟

يحب على العالم الإسلامي أن يستوعب أن القتل مرفوض تمامًا مهما كان المبرر، ويجب أن يستوعب الإنسان المسلم أن السخرية من معتقده لن يزيد أو ينقص من إيمانه، فالإيمان عبارة عن علاقة روحية بينه وبين والإله الذي يؤمن به، ولا يجب أن تتأثر تلك العلاقة بالعالم الخارجي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد