دعا الإسلام إلى إعمال الفكر وعدم التسليم لشيء إلا بالأدلة والبراهين، قال تعالى: «قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين». وكثيرًا ما يقول أفلا ينظرون، أفلا يتدبرون مُشيرًا إلى فضل التفكير ومنزلته.

يقول الشيخ محمد أبو زهرة: إن الإسلام دين العقل، فما من أمر جاء به إلا كان موافقًا للعقل يدركه ويصدقه.. سئل أعرابي: لماذا آمنت بمحمد؟ فقال: ما رأيت محمدا يقول في أمر: افعل، والعقل يقول: لا تفعل، وما رأيت محمدًا يقول في أمر: لا تفعل، والعقل يقول: افعل.. وإن النظم التي سنها الإسلام لا تزال برونقها وصفائها أعدل من كل ما اهتدى إليه العقل البشري من نظم، سواء أكان ذلك في نظام الحكم، أم في نظام المال، أم في نظام الأسرة.. فالإسلام هو الدين الوحيد الذي يصلح لحكم الإنسانية، وفيه علاج أدوائها.

والحدود إذا نظرنا فيها علمنا أنها من باب خطاب الوضع والواقع لا من باب التكليف، بمعنى: أنه يلزم لتطبيق الحدود أن تتحقق شروطها قبل إقامة الحد، والدليل على ذلك عمر بن الخطاب لم يقم حد السرقة عامين. لماذا؟ لوجود مجاعة، فلا يتوفر للناس ما يكفيهم عن أن يسرقوا، فكيف سيقطع أيديهم؟ هكذا يكون ظلم!

لذلك كانت الحدود تطهيرًا للمجتمعات من كل ما يؤدي إلى انتشار الفساد والانحلال.

هل يدعو الإسلام إلى الإصلاح؟

الإسلام لم يأتِ لينحصر في الشعائر التعبدية فقط، ولا ليدعو الناس إلى الخلوة والعزلة.. إن الذين يحصرونه في هذا الجانب فقط لا يعرفون طبيعة هذا الدين.

فالإسلام لا يدعو لإصلاح نفس الإنسان فقط؛ بل يأمر بالإصلاح في كل جوانب الحياة، الإسلام يدعو للإصلاح العملي أكثر من الأقوال فهي شريعة لا تحب الفساد ولا المفسدين، وزمننا هذا أحوج ما يكون للعمل أكثر من الوعظ!

وقد صدق الدكتور علي الوردي حين قال: إننا لا نستطيع إصلاح أخلاق أحوال الناس عن طريق المواعظ والنصائح على منوال ما كان يفعل القدماء. إن الأخلاق وليدة الظروف الاجتماعية التي تحيط بها. وما لم تتغير تلك الظروف فإننا لا نأمل أن تتغير الأخلاق كما نهوى. وبهذا يصدق قول القائل: غير معيشة المرء تتغير أخلاقه.

فالإسلام يحارب الاستبداد في أنظمة الدولة ومؤسساتها، لأنه يخلق الانحطاط في كل جانب من جوانب الحياة.. ومعلوم أن الاستبداد منبع كل رذيلة.. وبلاد المسلمين دليل حي على هذا، فإننا نشاهد الخمول، والفساد، والظلم، والانحطاط الأخلاقي والاجتماعي ملأ بلاد المسلمين، ولم يعد فكر ولا تقدم ولا علم.. مقارنة بالماضي. هذا كله بسبب الاستبداد الذي يُخضع رقاب الناس لأوامره فيكذبون من أجله ويظلمون ويسرقون ويخونون من أجله.. فتنهار المجتمعات!

ودعى الإسلام إلى الوحدة والإعتصام فقال: «واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء».

كما أن الإسلام لم يقهر أصحاب الديانات المخالفة له: «لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ».

وهاك ما حدث عندما سرق رجل من المسلمين – من إحدى قبائل الأنصار من بني أُبيرق بن ظفر بن الحارث – درعًا من جارٍ له مسلم يقال له: «قتادة بن النعمان»، وكانت الدرع في جراب فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب حتى انتهى إلى الدار، ثم خبأها عند رجل من اليهود يقال له: «زيد بن السمين»، فالتُمِسَتِ الدرع عند «طعمة» فحلف بالله ما أخذها، فقال أصحاب الدرع: لقد رأينا أثر الدقيق في داخل داره. فلمَّا حلف تركوه، واتبعوا أثر الدقيق إلى منزل اليهودي، فوجدوا الدرع عنده، فقال اليهودي: دفعها إليَّ طعمة بن أُبيرق! فجاء بنو ظفر – وهم قوم طعمة – إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وسألوه أن يجادل عن صاحبهم، فهَمَّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن يعاقب اليهودي.

فأنزل الله تعالى هذه الآيات من سورة النساء: «إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا. وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا. وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا» إلى قوله تعالى: «وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا».

يقول الشيخ الشعراوي: لقد اعتقد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن السارق هو اليهودي لوجود القرائن ضدَّه، ولكنَّ الوحي نزل بخلاف ذلك؛ فلم يكتم – صلى الله عليه وسلم – شيئًا – وحاشاه – بل قام وأعلن بوضوح وصراحة أن اليهودي بريء، وأن السارق مسلم!

وليس الأمر هَيِّنًا!

إن التبرئة تأتي في حقِّ يهودي اجتمع قومه من اليهود على تكذيب الإسلام والكيد له، والطعن في رسوله – صلى الله عليه وسلم – وبثِّ الفرقة بين أتباعه.. ومع ذلك فكلُّ هذه السلبيات والخلفيات لا تُبَرِّر اتهام يهودي بغير حقٍّ.

وقال صلى الله عليه وسلم: «أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أَوْ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وعندما فتح عمرو بن العاص مصر عامل أهلها بكل عدل وسماحة وكتب النصارى شاهدة بذلك. يقول المؤرخ المسيحي إسكندر صيفي: «وكانت شروط عمرو مع المقوقس زعيم القبط على أن تكون للقبط الحرية المطلقة بدينهم، وعليهم جزية ذهبين عن كل رجل». ويقول المؤرخ القمص أنطونيوس الأنطوني: «وبالجملة فإن القبط نالوا في أيام عمرو بن العاص راحةً لم يروها منذ زمان.. ومما هو جدير بالذكر أن عمرو بن العاص رَدَّ إلى البابا بنيامين الكنائس التي كان استولى عليها الروم». ويقول المؤرخ الدكتور عزيز سوريال عطية: «أما العرب فقد أتوا لتحرير القبط من هذه الأغلال البيزنطية إذا كان موقفُهم من أهل الكتاب أو أهل الذمة موقفا كريمًا وسمحًا تأكدت فحواه من واقع العهد العمري الذي كفل للأقباط حريتَهم الدينية بشكل لم ينعموا به أبدًا تحت النَيْرِ البيزنطي».

فهذه حقيقة سطرها التاريخ حينما تجسدت الواقع، وقد كان الفتح تحقيقا لموعود رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كما رواه مسلم في صحيحه عن أبي ذر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنكم ستفتحون مصر وهي أرض يُسمى فيها القيراط فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها فإن لهم ذمة ورحمًا».

عندما تجسدت هذه النظرة المنتظمة للشريعة الإسلامية في واقع الإنسان خلقت أرقى حياة تصلح لأن تكون وطنًا للإنسان.

فلو صح أن يُقال على التطور المادي في الغرب حـــضارة ؛ فالحق أن الإسلام عندما حكم أوجد حضارة وصنع نهضة مادية عظيمة كبيرة، وزاد عليها بالرُقــي الأخلاقي الذي تفقده دول الغرب المتطورة الآن.

ليس الاستحداث من المادة أشياء لم تستحدث من قبل ولم يعرف الناس مثلها.. ليس هذا دليلًا على التقدم، إنما التقدم الحقيقي في تسخير هذه المصنوعات والابتكارات في الارتقاء بالبشرية، والاستعلاء بالقيمة الإنسانية، وخدمة الإنسان وتلبية احتياجاته ومستلزماته. فليست طائرة من أحدث الطائرات بها إمكانات لم تكن في غيرها.. ليست هذه الطائرة علامة على الحضارة والتقدم إلا إذا خدمت الإنسان لا أن تقتله!

فمن حارب الإنسان وأهان الإنسانية فهو في جاهلية وإن تقدم في المادية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اسلام, شريعة
عرض التعليقات
تحميل المزيد