الإعلام الإسلامي ركن ركين من هوية هذه الأمة، وصرح لا يستهان به تثقيفيًّا وتربويًّا بل وترفيهيًّا، خاصةً وأن الإعلام عامة صار يستحوذ على وقت شريحة كبيرة من الناس، والإعلام الإسلامي خاصة يتابعه المسلمون بقلوبهم قبل عقولهم، لأن التدين مغروس في الفطر السوية، لذلك يقع على عاتق منسوبي الإعلام الإسلامي حمل كبير ورسالة سامية وأمانة عظيمة تجاه هذه الأمة الموحدة بكافة أطيافها وشرائحها بهذا الدين الإسلامي السامي.

الإعلام الإسلامي يؤدي العملية الإعلامية من «منظور إسلامي»، إضافة إلى كونه رسالة سامية قبل أن تكون حرفة تدر دخلًا وتحقق ربحًا، وهذا من شأنه أن يمزج كافة عناصر العملية الإعلامية بمزيج من التقوى وخشية الله في السر والعلن، والالتزام بكافة جوانب القيم الدينية النبيلة، مع تجنب كل ما يضر المتلقين والمتابعين. أي أن الإعلام الإسلامي –كما يصفه البعض-: «إعلام يمثل أنموذجًا للتصور العقدي للأمة، وانبثاقًا حضاريًّا يعبر عن وجهتها في الحياة، وضرورة عصرية آنية ومستقبلية لتغيير واقع الأمة إلى الوضع الأمثل».

والإعلام الإسلامي مضمونه «الحق والصدق»، ويجافي كل الأغراض المشبوهة، ولا صلاح للمعاملات بين الناس إلا بهذا المنطق. عن ابن عمر -رضي الله عنه- قال: ذكر رجلٌ لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه يُخدع في البيوع فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من بايعت فقل لا خلابة»، أي: لا غش ولا خديعة، خاصةً وأن الجمهور الإسلامي يزدري الكذب، ولديه جاذبية شديدة تجاه المصداقية عشقًا وشغفًا، فإذا ما جرب الكذب على شخص أو مؤسسة ومجموعة، فإنه من الصعوبة جدًّا -إن لم يكن مستحيلًا- استعادة الثقة، مما يجعل جميع الجهود المبذولة من قبل وسيلة الإعلام تذهب دون جدوى.

من هذا المنطلق جاء تواجد الإعلام الإسلامي بمصداقيته الفريدة باهرًا رغم التحديات والعقبات التي تواجهه، لأنه ببساطة إعلام يتسم بالطهر، وينسجم مع الفطرة السوية، فالشريط الإسلامي حقق في مرحلة انتشارًا كاسحًا، والكتاب الإسلامي ما زال يتصدر مبيعات معارض الكتب العربية والإسلامية رغم عزوف الكثير عن القراءة، والأمر ينسحب أيضًا على المجلات والفضائيات ومواقع الإنترنت الإسلامية.

لكن التحديات التي تواجه الإعلام الإسلامي تحديات جسيمة، لأنه ابتداء ليس المتواجد الوحيد في الساحة الإعلامية؛ بل هناك إعلام منافس وهناك أيضًا الإعلام المعادي، كما أن الإعلام الإسلامي منوط به رسالة شمولية كشمولية الإسلام الذي يمثله، فهو ليس إعلامًا وعظيًّا فقط، بل يضاف إلى ذلك كافة الجوانب التي تمس حياة المتلقي، وكل ما تحتاجه الأسرة والمجتمع المسلم، كباره وصغاره، رجاله ونساؤه، على اختلاف طبقاتهم وثقافاتهم، إنه إعلام يقوم على ثلاثة محاور رئيسية: تشكيل الوعي، التنشئة الاجتماعية، التبليغ والاتصال الإنساني.

ومن أهم التحديات التي تواجه الإعلام الإسلامي أن وعي الإسلاميين المعاصرين بأهمية ودور الإعلام جاء متأخرًا إلى حد ما، ولم يواكب التطور التقني والمهني للطوفان الإعلامي المعاصر، بل إن بدايات الإعلام الإسلامي لم يواكبها دراسات نظرية تأصيلية، ولا برامج تدريبية عملية، وغلب عليه الاجتهادات الفردية والرؤى الشخصية، وبالتالي واجه صعوبات عديدة على مستوى نقص الكوادر الإعلامية، والخطة الشمولية التي تستوعب كل متطلبات المجتمع الإعلامية، واقتصرت البدايات الأولى على الإعلام الوعظي والتربوي، كأشبه ما يكون بخطب الجمعة ودروس المساجد مع الفارق في وسيلة الاتصال الجماهيري كالفضائيات والإنترنت. أما الإعلام الهادف الشمولي الذي ينضبط بضوابط الشرع، فمازال يسير بخطوات متعثرة خاصةً في المجال الترفيهي.

ومن العقبات والتحديات التي تواجه الإعلام الإسلامي قيود السلطات الرسمية في بعض الأقطار الإسلامية، ومنها عقبات في التمويل، واقتصاره في غالب الأحيان على المؤسسات الخيرية، وغياب الخطط والإستراتيجيات المتكاملة التي تتبناها مجموعات مهنية متعددة المهام تطرح بدورها الجهود الفردية والرؤى الأحادية، أيضًا يواجه الإعلام الإسلامي ندرة في البحوث والدراسات المتعلقة بحيثياته، ومشكلة في التنسيق بين العلماء والدعاة، وبين رجال التربية والمثقفين، ليأتي مشروع الإعلام الإسلامي متكاملًا في موضوعه يلبي احتياجات ورغبات كل الشرائح المستهدفة دينيًّا وتربويًّا وتثقيفيًّا وترفيهيًّا، وأن تُصاغ الرسائل الإعلامية في قوالب فنية متنوعة ومشوقة وجذابة، بدلًا من أن تصب في أنماط جامدة ومكررة تفتقر إلى الجاذبية والتشويق، مع ضرورة مراعاة الضوابط الشرعية والاجتماعية العامة، وعدم تجاوزها.

ويقول الأستاذ مالك الأحمد: «في الجانب الإداري عانى الإعلام الإسلامي من التشرذم والتنافس، وكانت غالب المؤسسات صغيرة ضعيفة لا تقوى على الصمود طويلًا. في نفس الوقت كانت الحرفية في التسويق منخفضة، والنكسات متوالية. أما في جانب الرؤية والخطاب الإعلامي فكان الأمر في الغالب اجتهادات فردية وأحادية في الرأي، مع ضعف في تقبل الرأي المخالف، وشاب الكثير من الأعمال الإعلامية عدم استيعاب للتقنيات الحديثة في فنون الاتصال، واقتصار الخطاب على فئة المتدينين وليس جماهير الناس. أيضًا غلب الخطاب العاطفي والوعظي على العقلي التحليلي، وغلب الخطاب المباشر على الرسائل الإيحائية».

إننا في سياق البحث عن تطوير الإعلام الإسلامي، لا بد أن نعمل على إيجاد الوجود الفعلي والفاعل معًا، فالإعلام الإسلامي اليوم -للأسف- منفعلًا وليس فاعلًا، ولا يتصدى لما يحاك للأمة من قبل أعدائها بالقدر الكافي والوافي. يقول الدكتور عبد الرزاق الدليمي: «إن من الأدبيات المتفق عليها أن المسلمين اليوم -وفي هذه الانعطافة من تاريخهم- يواجهون غزوًا واحتلالًا ثقافيًّا وفكريًّا وحضاريًّا واقتصاديًّا بشعًا، شمل كل جوانب حياتهم. ولذا، فإن مهمة الإعلام الإسلامي تتجاوز التثقيف والتوعية وفتح القنوات المعرفية أمام أجيال المسلمين، إلى التحفز ووضع الخطط المناسبة في التصدي للغزو الفكري والثقافي والأخلاقي الذي تتعرض له الأمة الإسلامية، وسط شيوع وسائل الإعلام العابرة للقارات، والتي تؤثر في المجتمعات وتنقل أفكارًا وفلسفات وأخلاقيات شعوب العالم إلى كل مكان».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد