هل العقل هو القوة الوحيدة المسيطرة في الإنسان وهل هي المسؤولة عن كل شيء؟ وهل يمكننا أن نختزل الإنسان في عقله؟ هل الإسلام قدم إجابات واضحة مقنعة وعلمية عن الإنسان وعقله؟

العقل مجموعة مبادئ، أولها السببية، بمعنى أدق، عقل الإنسان لايمكنه أن يفهم أي شيء بدون سبب أو بدون غاية، كما أنه لا يقبل التناقض، لكن الأمر الرائع هو هذا التطابق التام الرائع بين مبادئ العقل وقوانين الكون، ولولا هذه المعادلة لتعطل العقل عن مهمته الكبرى وغايته العظمى، ألا وهي معرفة الخالق سبحانه وتعالى معرفة يقينية.

فالسببية تأخذك برفق إلى الله عز وجل؛ فهو مسبب الأسباب، وبفضل الغائية تحقق غاياتك، إذن باختصار شديد لو تابعت هذا الموضوع لاستنتجت بجلاء أن العقل طريقك لمعرفة الله تعالى، وأن تطابق مبادئ العقل مع قوانين الكون هو الذي يخلق المَلَكَة الإِدْراكِيَّة ذات فاعلية عالية جدًا.

يعتبر الكون الحجة الأولى المرتكزة على مقومات التكليف، العقل جوهرها والفطرة السليمة منبعها، والشَّرْع ميزان لِلْكَفَّتَيْن معًا، بمعنى أدق أن الإسلام يجزم أن العقل أصل من الأصول الكبرى، إذ إن الآيات التي ذَكَرَتْ لفظ العقل ومُرَادفَاتِه تقارب الألف آية.

قال الله عز وجل في كتابه الكريم {۞ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [الأنفال : 22].

{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج : 46].

{كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة : 242].

{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف : 2]، صدق الله العظيم.

العقل البشري له حدود تجعل مهمته محدودة، كما أنه لا يمكن الاعتماد عليه خارج مجال عمله، كالكلام مثلا في دائرة الإخباريات كالموت، الملائكة، الجن، القضاء والقدر، أو الماضي السحيق.

قدمت العلوم الإسلامية فيما يتعلق بالعقيدة والإعجاز ثلاث دوائر أساسية، الدائرة الأولى تشمل المحسوسات وهو كل شيء ظهرت ذاته وآثاره، ثم الدائرة التانية وتَتَمَثَّل في المَعْقُولاَت التي أداة اليقين فيها تَتَجَلَّى في ملكة العقل، ثم الدائرة التالثة والأخيرة والتي تتجلى في الإخباريات، وهو كل شيء غَابَتْ ذاته وآثاره، خلالها يتعطل العقل ليصبح دون وظيفة، وتُصْبِحُ أداة اليقين هنا الخبر اليقين.

كما أنَ مفهوم العقل في القرآن الكريم يأخذ معانٍ كثيرة ومتعددة، غالبيتها توضح أنه أداة العلم والمعرفة والتميز، فعند دراستنا للقرأن الكريم وجردنا لمادة العقل نجد أن لفض العقل لم يرد معرفًا، هذا بالإضافة إلى أن مادة العقل وردت 49 مرة معظمها بصيغة المضارع، ففعل تعقلون تكرر 24 مرة، وفعل يعقلون تكرر 22 مرة، وفعل عقل ونعقل ويعقل جاء كل واحد منهما مرة واحدة، إذن كل هذه دلائل علمية دقيقة تأكد بأن الدين الإسلامي خاطب العقل البشري بطريقة غير مسبوقة في تاريخ البشرية جمعاء، إذن الإنسان في القرآن الكريم عقل يدرك، وقلب يحب وجسم يتحرك.

الدين الإسلامي جاء بمجموعة كبيرة من العلوم؛ حيث تطرق لكل صغيرة وكبيرة في هذا الكون إلى درجة الإعجاز (الإعجاز اللغوي – الإعجاز العلمي)، وما الحضارة الإسلامية السابقة وما حملته وأنتجته من علوم في شتى المجالات كالطب، والرياضيات، والفلك، والهندسة المعمارية، والفلسفة، والفن، القائمة طويلة ومتعددة، إلا نقطة في كتاب بمكتبة إسلامية لا متناهية.

لتحقيق الحياة القرآنية ينبغي للكائن البشري أن يلبي الحاجات الثلاث وهي غذاء العقل أي العلم والمعرفة وغذاء القلب بمعنى حب الله عز وجل ومن خلال حبه يحقق الحب المستمر في الزمان والمكان لجميع مخلوقاته، وحاجة الجسم إلى الطعام والشراب، وإشباع غرائزه تحت إدارة العقل والشَّرْعْ.

فالذات الإنسانية؛ هي التي تؤمن وهي التي تكفر وهي التي تسمو وهي التي تحب وهي التي تُبْغِض وهي التي تشكر، تنصف وتَجْحَد، نفس الإنسان ذاته لا تموت، ولكنها تذوق الموت، والموت يعني انفصال ذات الإنسان عن الوعاء أي عن الجسد الذي يحتويه، عن طريق تَوَقُّف الإمداد الإلهي.

وعلى غرار ذلك، فالعقل يمكن استخدامُه في الحق، كما يمكن استخدامه في الشر كذلك، نظرًا لِلْمَنْهَج الذي تم استخدام العقل داخله، وحريةُ العقل من حرية المنهج، والقرآنُ الكريم يتحدَّث عن سَبْعة مناهج تستعمل العقل وهي:

أوَّلًا: الهوى مصداقًا لقوله تعالى ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الروم: 29].

ثانِيًا: الظن، قال تعالى في كتابه الكريم ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [النجم: 28].

ثالثًا: الآبائية وهي صنفان، آبائية سلبية وفيها يتَّبع العقلُ كل ما قاله، أو دوَّنه، أو ورَّثه الآباءُ والأجداد، دون مراجعة علمية دقيقة لصحة ما قالوه، ودون تمحيص معمق واختبار لتَرِكَة الآباء؛ لتثبيت صوابهم، وتصحيح خطأهم، مصداقًا لقول المولى عز وجل ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 23]، وآبائية إيجابية، وفيها يتَّبع العقل ما صحَّ فقط عن الآباء، وما ثبت بالتجرِبة أنه صالح ونافع.

رابِعًا: اتِّباع السادة وأصحاب السلطة والنفوذ، وهنا نستدل بقوله سبحانه وتعالى ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: 67].

خامسًا: اتِّباع رجال الدين، بمعنى أدق أن العقل الإسلامي له خصوصياته، فمهما وصل حبنا لعلمائنا الأفاضل إلاَّ أنَّ المسلم لا يغيب عقله وتفكيره، بل على العكس من ذلك، لأنه يصبح كلام هذا العالم تحت المِجْهَرْ الرباني، مِجهر القرآن والسنة، ولنا في هذه الأية الكريمة خارطة طريق، قال تعالى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 31].

سادِسًا: اتِّباع الأكثرية، نستحضر هنا قوله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز، ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: 57].

سابِعًا وأخيرًا: العلم وما أدراك ما العلم، كلمة صغيرة لكنها منهج حياة بأكملها، لأنه بطلب العلم نغتسل من عار الجهل لِنَحْيَا في نور، قال تعالى ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: 36]، إذن في الإسلام أي شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد