كان صعود قوى الإسلام السياسي على الساحة السياسية في البلدان التي اندلعت فيها ثورات الربيع العربي والتي بدأت في عام 2011 م، وما لحق ذلك من تطورات على الساحة الإقليمية من ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وما تواكب معه من سقوط للتيارات الإسلامية المعتدلة في عدد من الدول العربية إيذانًا بنحت مصطلح فكري-ديني-سياسي جديد تم استخدامه على نطاق واسع وأقصد به مصطلح الإسلام الوسطي.

الحقيقة أن ذلك المصطلح قد تم اختلاقه من قبل العديد من التيارات الإسلامية السياسية التي حاولت على مدار تاريخها الطويل أن تُعرف نفسها على كونها الممثل المعتدل الأكثر عقلانية والأكثر جنوحًا إلى التوافق مع الأوضاع المجتمعية والسياسية السائدة في مجتمعاتهم.

جماعة الإخوان المسلمين على سبيل المثال كانت من أول التيارات التي استخدمت ذلك المصطلح وأيدته وحاولت أن تصبغ به حركتها ودعوتها، فالإخوان – ومنذ بداية تأسيس جماعتهم في عام1928م – قد أعلنوا في أدبياتهم وكتاباتهم أنهم يتخذون من الوسطية سبيلًا ومنهاجًا، وهو الأمر الذي نجده يظهر بشكل واضح في كتابات مؤسس الجماعة ومرشدها الأول حسن البنا حيث نجده يصف جماعته ومنهجها في رسائله بأنها:

دعوة سلفية، وطريقة سنّية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية وثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية.

ذلك الوصف الفسيفسائي الذي وصف به البنا جماعته لم يكن شذوذًا فكريًا عن الخط الفكري النمطي التقليدي الذي اتخذه المرشدون اللاحقون وقادة الجماعة فيما بعد، بل إننا نجد أن الجماعة وعلى مدار تاريخها الطويل قد سعت بكل طريقة ممكنة لتأكيد الصبغة الوسطية المعتدلة لها، فنجدها قد حاولت أن تنسب أصولها إلى شخصيات لطالما عُرفت – من جانب أعداء تيار الإسلام السياسي – باستنارتها ووسطيتها مثل محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وغيرهما من الشخصيات.

 

كما أن الجناح الفكري في الجماعة قد وجه الكثير من جهوده للتأكيد على ملامح الشخصية الإخوانية المعتدلة التي تقبل الآخر وتحترمه، ويشهد على ذلك مؤلفات الشيخ محمد الغزالي التي بلغت العشرات والتي كان محورها الرئيسي هو وسطية الإسلام وحقوق غير المسلمين في الدولة الإسلامية وحرية التعبير وإبداء الرأي في الإسلام.

وكذلك مؤلفات محمد سليم العوا وفهمي هويدي التي دعت بشكل واضح وصريح إلى تقريب وجهات النظر بين المذاهب الإسلامية المختلفة، وبالأخص بين مذهب أهل السنة والجماعة والمذهب الشيعي.

فالعوا كتب كثيرًا عن المسألة الإيرانية الشيعية وكان أحد المشاركين في وضع الدستور الإيراني، وفهمي هويدي في كتابه المهم (إيران من الداخل) يحاول أن يصبغ النظام الإيراني الشيعي بصبغة سنية تجوز مسألة ولاية الفقيه.

كما أننا نجد أن مفكرًا إخوانيًا بارزا ًكمحمد عمارة كان في الكثير من الأحيان يجعل من نفسه مدافعًا عن عدد من المذاهب الفكرية البعيدة عن التوجه العام الحالي للإسلام السياسي، مثل المعتزلة والماتردية والأشعرية.

عباءة الإخوان الفكرية لم تقتصر على تقبل الآخر المذهبي فحسب، بل نجدها تتقبل جميع التيارات الفكرية الأخرى فالإخوان – بعكس الجماعات السلفية متنامية القوة منذ سبعينيات القرن الماضي -قد توافقوا مع معظم الحركات والتيارات الصوفية، بل إن الكثير من القيادات الإخوانية كانت تعلن انتماءها لبعض تلك الحركات ويُظهرون مشاركتهم لها في بعض الطقوس والتقاليد التي لطالما وصفت بانحرافها وبعدها عن الطريق القويم للإسلام.

وإمعانًا في التقرب لفكرة الوسطية وجدنا الإخوان يهرعون لمشاركة الآخر – المسيحي – في جميع أعياده ومناسباته بالرغم من وجود الكثير من الأوامر الإسلامية الصريحة والواضحة التي تنهى عن ذلك.

ولأن تجنيد وتعبئة الشباب وضمهم إلى الحركة الإخوانية كان هدفًا إستراتيجيًا رئيسيًا في الفكر الإخواني، نجد أن الجماعة قد بذلت الكثير من الجهود في سبيل ذلك عن طريق إباحة بعض الأمور والسماح بها بل وتبريرها والدفاع عنها.

فإطلاق اللحية وتقصير البنطال أصبحا سنة يُثاب من يفعلها ولا يحاسب من يتركها، وسماع الأغاني أصبح حلالًا لا مشكلة فيه.

أتذكر أن أحد أصدقائي من المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين قد ناقشني من قبل في مسألة إباحة سماع الأغاني فإذا بي أجده قد أحضر معه كتابا ًكاملًا تزيد عدد صفحاته عن الثلاثمائة صفحة وكان هذا الكتاب يناقش مسألة تضعيف ابن حزم الظاهري للحديث النبوي الذي يحرم سماع الغناء والذي نصه (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف).

وأثناء مناقشتي لصاحبي اكتشفت أنه لم يقرأ الكتاب أصلًا، بل إن الكتاب كان موجودًا في مكتبة تابعة للجماعة وأنه أتى به خصيصًا للاحتجاج علي به لا أكثر.

وفي مرحلة متقدمة من تاريخ الجماعة، تم العمل على إظهار وتقديم بعض الوجوه الجديدة من الدعاة بهدف الوصول لشرائح مختلفة من الشباب الذين لا يمكن اجتذابهم عن طريق الشيوخ والعلماء الكبار، وتمخضت تلك المرحلة عن ظهور أسماء مثل عمرو خالد ومعز مسعود ومصطفى حسني، وسرعان ما استطاع هؤلاء أن يصلوا لقلوب وعقول الكثير من الشباب في المجتمع المصري، وشيئًا فشيئًا نجد هؤلاء الدعاة يخرجون عن الخط التقليدي للجماعة الوسطية ليختطوا لأنفسهم خطًا أكثر وسطية أو أكثر تحررًا إن شئنا الدقة.

الجهود المضنية التي قامت بها الجماعة لإثبات وسطيتها واعتدالها سرعان ما أصبحت هدفًا لذاتها دون البحث أو النظر عن غايتها أو الفائدة الحقيقية من ورائها.

فإذا كان من الممكن أن نعتبر أن ظروف نشأة الجماعة وسط ضغوط قوية من المحتل الإنجليزي الغاشم والملكية الوراثية المهيمنة والاصطفاف الشعبي وراء حزب الوفد – الذي كان في وقت تأسيس الجماعة يمثل أكبر وأهم حاضنة شعبية جماهيرية في المجتمع المصري – قد أدت جميعها لحتمية اللجوء لسياسة الحلول الوسطى والتوافق السياسي المجتمعي؛ فإنه لا يمكن أن نقبل باستمرار تلك الآلية والمنهجية بعد زوال الأسباب التي دعت إليها وبررتها في الأساس.

 

فكيف نفسر إذن استمرار الإخوان على نفس السياسة؟

وكيف نفهم نزوعهم للخيار الوسطي بوصفه حلًّا إستراتيجيًّا دائمًا وليس حلًّا تكتيكيًّا مؤقتًا؟

 

الحقيقة أن العباءة الإخوانية التي انضوى تحتها الكثير من الإخوان من الذين أتوا وقدموا من ثقافات وتيارات فكرية وسياسية مختلفة، سرعان ما تغير لونها واختلف مقاسها فتلونت باللون الرمادي وأصبحت أوسع كثيرًا من ذي قبل.

فقد صار الأفراد الذين كانوا مجرد أعضاء عاديين في الماضي، قادة للجماعة وزعماء لها فيما بعد وهو الأمر الذي ترتب عليه أنه قد تم إقرار مناهجهم ومبادئهم وأفكارهم داخل الكيان الفكري الواسع للجماعة، وبمرور الوقت تم حشو تلك الأفكار الجديدة المستوردة بجانب الأفكار القديمة الأصيلة.

فما كان نتاج كل هذا الحشو والترقيع الفكري؟

 

إنتاج كائن جديد مشوه غير واضح المعالم. هذه هي الصورة النهائية لمراحل التطور الفكري-المجتمعي-السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في مصر وباقي الدول العربية.

 

وبعد كل ذلك فيحق لنا أن نتساءل هل انتفع الإخوان بوسطيتهم التي لطالما حرصوا عليها؟

هل وقفت معهم الفئات التي حرصوا منذ عشرات الأعوام على التقرب إليها؟

 

الواقع أن الشعب الذي نشر فيه الإخوان نظريتهم المهترئة عن الوسطية والتوافق، هو نفسه الشعب الذي نجده فيما بعد ثورة 25 يناير يطور تلك النظرية ويعطي لها أبعادًا وسمات أخرى.

 

فالشعب المصري – الذي يميل بفطرته إلى البعد عن الصدام وتقبل الحلول الوسطى – وجد أن الإخوان، تجار للدين وخفافيش للظلام وشياطين يتشبهون بالملائكة، ودعار ومجرمون يلبسون مسوح الرهبان والقديسين.

 

خلال عام واحد من حكم الإخوان انقلبت موازين الوسطية الإسلامية التي لطالما تشدقت بها رموز الجماعة الإسلامية الأشهر عليها.

فرموز الجماعة من أمثال محمد سليم العوا ويوسف القرضاوي ومحمد عمارة والذين كانوا من قبل أمثلة واضحة يستشهد بها الجميع على الوجه الحضاري الجميل المعاصر للإسلام، الذي يجب أن يؤخذ نموذجًا ومثالًا يحتذى به، سرعان ما تم شيطنتهم وتجريمهم واعتبارهم خوارج تكفيريين بعد 30 يونيو 2013م.

ولم يكتفِ أعداء الإخوان باستخدام الوسطية لضرب الجماعة ورموزها فحسب، بل إننا وجدنا الكثير منهم قد أشهر سلاحه في وجه الكثير من العادات والتقاليد الإسلامية الراسخة الثابتة.

 

فكاتبة معروفة كفاطمة ناعوت استهجنت بشدة ذبح آلاف الخراف في عيد الأضحى واعتبرت أن ذلك فيه خروج عن تعاليم الإسلام الوسطي السمح الذي يدعو للرفق بالحيوان.

 

وكاتب متحرر كشريف الشوباشي قام بدعوة المصريات بشكل مباشر وصريح لخلع حجابهن في تظاهرة مليونية، وحجته في ذلك أن الحجاب عادة بدوية تراثية بالية تتعارض مع الجوانب الحضارية والمظاهر المستنيرة الموجودة في الدين الإسلامي الوسطي.

 

أما في المجال البحثي في علوم التراث والتاريخ والدين، فحدث ولا حرج.

فباحث مثل إسلام البحيري يهدم الكثير من الثوابت والأصول والمعتقدات – الذي قد يكون الكثير منها لا يستحق أن يكون كذلك – بلا ضابط وبلا منهج واضح محدد، وعندما سئل عما يفعله قال ببساطة أنه ينقح الدين وينقيه من كل الأمور التي تتعارض مع الوسطية الإسلامية.

 

وفي نفس السياق نجد أحد الأزهريين وهو المدعو محمد عبد الله نصر، يقوم بإعادة تعريف الدين الإسلامي على أساس وسطيته واعتداله، فنجده يضعف أحاديث ويسقطها لمجرد أنها – حسب وجهة نظره – لا تستقيم مع الوسطية الإسلامية التي يعتقد بها.

وأنه يحق لنا أن نتساءل، هل كان الفكر الوسطي المعيب الذي اتبعه الإخوان ومن تابعهم، سببًا في ظهور تيارات فكرية ثورية عنيفة مثل تنظيمات القاعدة والدولة الإسلامية؟

أم أن تلك التنظيمات ظهرت في معزل تام عن خط الصعود الفكري الإخواني، مما يجعلنا نبحث عن أسباب نشأتها وتكونها في مجالات ونطاقات فكرية بحثية بديلة؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد