طلعتنا الأخبار بما قرره حزب النهضة من تأسيس حزب لا يتبنى الرؤيا الإسلامية، ولا علاقة له بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، ولا يمارس أي دور دعوي بل هو سياسي فقط كباقي الأحزاب الدائرة في الساحة السياسية.

ومن اللافت للنظر أن الأمر بدا له صدى عند الكثير من مفكري ومتابعي وقادة الحركة الإسلامية، فكتب أخونا الشيخ عصام تليمة مقال تحت عنوان (الإسلاميون وفصل الحزبي عن الدعوي)، وقد ظهر واضحًا جليًّا أنه يتكلم بلسان الكثير بل ويعرض كلمات دارت في عقول قادة ومفكرين وشخصيات أخرى نظرت إلى هذا الحل على أنه الحل الواضح أمام الحركة الإسلامية، ومن القلب منها جماعة الإخوان المسلمين، كما ذكر في مقاله.

ولقد كفانا الشيخ عصام البحث عن رؤى أخرى، أو أسباب وراء هذا الحل العبقري الذي فكر فيه الإمام البنا قبل اغتياله، وهو يعيد طرحه مرة أخرى مادحًا تجربة النهضة التونسية.

ولا أتكلم عن الشيخ الغنوشي في تجربته، فالرجل منذ سنوات وهو يدعو إلى تجربة إسلامية جديدة، لم يتبق فيها من الإسلام غير اسمه، وأما أحكامه الشرعية وثوابته فقد ألقي بها في المحيط، ولقد سبقه المفكر الكبير السوادني حسن الترابي في بعض أفكارهما الفاسدة دينًا وشرعًا، بعيدًا عن التخبط الذي تحرك فيه الاثنان سواء في تونس أو السودان.

ولكن للحقيقة فلا بد من الثناء على الشيخ راشد الغنوشي في مساره الجديد فهو قد اتفق فيه مع نفسه فبدلًا من خروجه كل بضعة أيام بتصريح جديد يتنازل فيه عن إسلاميته، فهو الآن يعلنها صريح إن السياسة والإسلام منفصلان.

ولكن العجيب في الطرح الجديد أنه يطلب من جميع الإسلاميين هذا الانفصال بين الدعوي والسياسي، فإذا كنت مهزومًا نفسيًّا، وفكرتك الراقصة فشلت في الاحتفاظ بحكم مصر لمدة عام، فلما تطلب من الجميع أن يسير خلفك وأنت في حالة هزيمة.

العجيب أن مفكري الإخوان في حالة الانكسار والهزيمة يريدون أن يكونوا حكماء الأمة ومنظريها، بدلًا من وضع آليه جديدة وفكر يتطابق مع المفهوم الأيديولوجي للفكرة الإسلامية وطريقتها، نراهم في وضع الحكماء والقادة، وهم الذين دفعوا بالحركة الإسلامية إلى هذه الهزيمة سابقًا بتقديم أنفسهم لكل الأنظمة على أنهم البديل الحضاري والعصري لكل الحركات الإسلامية، وبعد ثورة يناير بتصميمهم على أخذ الحكم ضاربيين عرض الحائط بكل الآراء التي قالت اصبروا قليلًا حتى يتبين الخيط الأبيض من الأسود في مجريات الأمور، بل وانطلقوا في مجلسي الشعب والشورى، ثم الرئاسة فكانت الطامة الكبرى، والفرصة السانحة لأعداء الحركة الإسلامية.

كان يجب على من يتبنى طرح الانفصال بين الدعوي والسياسي أن يناقش لماذا لجأت الحركة الإسلامية بدايةً إلى نشأة الأحزاب متساوية تمامًا مع الأحزاب الليبرالية واليسارية والناصرية، أليس التنكيل والاضطهاد الذي مارسته الأنظمة العربية ضد الحركة الإسلامية هو ما جعلها تنخرط في تكوين أحزاب قانونية تحت دساتير غير إسلامية، مما أعاق عملها الدعوي واختلط العمل الدعوي بالسياسي غير المبني على حكم شرعي، بل تم ممارسة السياسة بنفس المفهوم الذي يمارس به غير الإسلاميين السياسة، وبهذا انطلقت أنت في ملعب الآخرين، وحسب قوانين اللعبة لديهم، ولكن ترفع أيديولوجية فيها ما يتنافى مع عملك السياسي!

لقد حصر الكثيرون العمل السياسي من قبل الإسلاميين في الترشيح للانتخابات، وكأن هذا هو ميدان السياسة الوحيد الذي يجب اللعب فيه، ونسي أن الحزب السياسي هو مدرسة فكرية تتربى فيها الكوادر الشبابية لكي يخرج للأمة طاقات أخرى، وهل الحزب لا يعارض إلا من خلال البرلمان هذا إن اعتبرنا أن الأنظمة العربية تلقي بالًا بالمعارضة عمومًا، هل إقامة المؤتمرات السياسة والندوات الفكرية السياسية ليست عملًا سياسيًّا؟ هل التحذير من قرارات ومشروعات قرارات تتبناها الدولة والتصدي لتنفيذها بإيجاد رأي عام مضاد لها، أليس عملًا سياسيًّا.

إن العمل السياسي أوسع من اختصاره في مجرد الترشيح لانتخابات البرلمان، أو حتى في النقابات والنوادي.

إن الحركة الإسلامية في عسرة ليس هذا محل اختلاف، ولكن هذا لا يعطي مبررًا قويًّا لكي تتخلى الحركة عن مبادئها التي قامت من أجلها، وإلا لما قامت وسالت الدماء والتضحيات وألقي بزهرة شباب الأمة في حرب مستعرة منذ عدة عقود، لكي يأتي اليوم الذي يتحرك قلة من أبنائها، يقول يجب أن نفصل الدعوي عن السياسي حتى نستمر ونظل نحن الشيوخ وهناك الساسة، أليس هذا نوع من الردة الفكرية داخل الحركة الإسلامية؟ أليس هذا نوع من الخيانة للدماء الطاهرة التي بَذلت في سبيل استمرار الحركة وديمومتها حتى تصل إلى انتصارها الحتمي كما وعدها الله وبشرها  نبيها.

محمود طرشوبي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد