أسبح عكس تياركم

وأتحدث بغير لسانكم

وأُسْمعكم ما لا تودون سماعه، وهكذا الحقيقة دائمًا، أهلها قلة وسط الزيف الكبير.

كتبت مقالي «لا لتمكين الشباب ولا لتصدّرهم»، فتعرضت لأكبر حملة سباب وشتائم. شباب يصارعون شيوخهم وقادتهم من أجل إدارة الحركة الإسلامية، وهم لا يلتزمون بأبسط الأخلاق الإسلامية، شتّامون سبّابون، لا خُلق لهم ولا عقل.

كيف يؤتمن على القيادة شباب كهؤلاء، وكيف يُقدّم ويُصدّر شباب كهؤلاء.

الحكمة بعد الأربعين والنبوة بعد الأربعين

قال تعالى «حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة».

ورد في تفسير القرطبي «قال الشعبي وابن زيد: الأشد ـ الحلم، وقال الحسن: هو بلوغ الأربعين، وعنده قيام الحجة عليه».

وفي تفسير ابن كثير «حتى إذا بلغ أشده ـ أي قوي وشد وارتجل. وبلغ أربعين سنة: أي تناهى عقله، وكمل فهمه وحلمه».

وفي تفسير الطبري «وبلغ أربعين سنة ـ ذلك حين تكاملت حجة الله عليه، وسيّر عنه جهالة شبابه».

وأما عن النبوة، وأنها تكون بعد الأربعين، فقد جاء في فتح القدير في تفسير الآية قوله «وبلغ أربعين سنة: قال المفسرون: لم يبعث الله نبيًا قط، إلا بعد بلوغ الأربعين».

النبوة لا تكون إلا بعد الأربعين، هذا هو المشهور من الرأي عند علماء الأمة، وهي القاعدة التي لا ينفيها استثناء كون عيسى ـ عليه السلام ـ قد بُعث قبل ذلك، أو كون يحيى ـ عليه السلام ـ قد بُعث قبل ذلك.

وما زلت أقول: إن النضج والحلم كانا يأتيان سريعًا في الأزمنة الماضية، أما الآن فأراهما أبعد من الأربعين.

وأقول: لو كان الأمر بيدي لوضعت في أية لائحة جديدة ما يشترط تعدي الخمسين من العمر لتولي أية قيادة، فإن كانت الخمسين كثيرة، فلتكن الخامسة والأربعين، ولا أراها في أقل من ذلك.

إن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرًا أبقى

جاء في الحديث الشريف عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قوله: «إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق، ولا تبغض إليك عبادة الله، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرًا أبقى».

وجاء في المعجم «انبتّ الرجل ـ جهد دابته حتى أعيت، والرجل المنبتّ ـ الذي يبالغ في طلب الشيء، ويفرط حتى ربما يفوته على نفسه».

والشباب أكثر من ينبتّ، العجلة طبعهم، والتهور حالهم.

ولو آلت إليهم الأمور يومًا، فلا أرضًا سنقطع، ولا ظهرًا سنُبقي.

المفاضلة بين أجيال الحركة الإسلامية الثلاثة

المستشار «عبد الله العقيل»، الاسم الكبير في الحركة الإسلامية في القرن العشرين، وصاحب كتاب «من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة»، له مفاضلة بين أجيال الحركة الإسلامية الثلاثة «جيل الشيوخ، وجيل الوسط، وجيل الشباب»، ويذهب المستشار العقيل إلى تفضيل جيل الشباب وتقديمه، ولا يعني الرجل تقديمه للقيادة، ولكنه يتحدث عن تقديمه على الجيلين اللذين سبقاه في المكانة.
عندما قرأت للمستشار العقيل ـ رحمه الله ـ هذا الرأي، رأيت أن الأمر لا يخلو من مجاملة لهذا الجيل؛ لدفعه إلى مزيد من العمل والصبر والثبات لأجل هذه الدعوة، ولأجل مجدها.
وقلت حينها: بل السابقة لجيل الشيوخ الذين أوذوا إيذاء شديدًا، قرنه الأستاذ «محمد قطب» بما حدث لبقايا المسلمين في الأندلس في محاكم التفتيش التي صنعها لهم النصارى. ومع كل هذا الإيذاء صبروا وثبتوا وحملوا دعوتهم وفكرتهم لمن بعدهم.
وقلت: بل السابقة لجيل الوسط الذي دخل الجماعة، وهي حديثة عهد باضطهاد، وتشريد للجيل الذي سبقه على يد «عبد الناصر وزبانيته»، وكان أن نشر جيل الوسط هذه الفكرة في ربوع الأرض، ودخل بها إلى حلبة الصراع السياسي العملي في النقابات والمجالس النيابية.
لا تقليل هنا من شأن شباب الحركة الإسلامية، ولكنه تأكيد على أن يقف كل منا في مكانه، وأن يعرف كل منا سابقة غيره، وأن نلتزم غرز من سبقنا، فكرًا وتوجهًا وقيادة.

وماذا جنى الشيوخ، وما جريرتهم

لم أجد أحدًا أجرأ على أحد، مثلما وجدت من شباب الحركة الإسلامية في جرأتهم على قادتهم ومعلميهم وشيوخهم.

منذ الانقلاب وهجومهم عليهم يزداد ويطغى، بل الكذب عليهم، وتشويه صورتهم، ورميهم بالاتهامات، بلا دليل ولا بينة.

كل ذلك نظرًا للحال الذي صرنا إليه.

وأنا أقول: وما جريرة الشيوخ؟ لقد نظروا واجتهدوا، واستشاروا واستخاروا، وأخذوا قراراتهم!

فإن كانوا قد أخطأوا فلهم أجر الاجتهاد، ولو أصابوا لكان لهم الأجران، أجر الاجتهاد وأجر الإصابة.

بل أقول: إن أخطاءهم ليست هي السبب فيما وصلنا إليه، بل كان الأمر مؤامرة أكبر من أي أحد، ولو كان غيرهم في سدة القيادة حينها، لما تغير الحال، إلا إلى الأشد والأنكى.

خُدعوا، نعم خدعوا، وربما خُدع النبي قبلهم، صلى الله عليه وسلم، واقرأوا في سيرته عن حادثة الرجيع وبئر معونة، واقرأوا أيضًا عن غزوة الخندق ويهود المدينة.

أخطأوا التقدير، نعم أخطأوا، وربما أخطأ النبي صلى الله عليه وسلم التقدير قبلهم، واقرأوا عن غزوة بدر ومنزل جيش المسلمين ونصيحة الحباب بن المنذر للنبي صلى الله عليه وسلم.

ويظل رأيي: أحفظ الناس لميراث العلماء والمصلحين والمجددين هم تلامذتهم المباشرون، الذين عايشوهم، وأخذوا منهم، فانصهرت عقولهم بعقولهم وأرواحهم بأرواحهم.

وبالتالي فإن ما يُعرف بالقيادات التاريخية للجماعة هي الأولى بها وبقيادتها وتوجيهها، حرصا على المبادئ والأساسيات، والأفكار والتوجهات، والتنظيمات والأطر.

ولا يعني ذلك عدم مشاركتهم للقيادة مع الأجيال التي بعدهم، بل لابد من تمثيل هؤلاء وأولئك.

مكان الشباب الذي يجب أن يلتزموه

الشباب فورة وثورة، ولا بد أن تحاط هذه الفورة وهذه الثورة بحكمة الشيوخ وعقلانيتهم.

فالطبيعي أن يخطط الشيوخ وأن ينفذ الشباب. وأن يقود الشيوخ  وينقاد الشباب. وأن ينظّر الشيوخ ويتحرك الشباب.

كلٌ له مكانه ودوره، ولا يعني ذلك عدم مشاركة الشباب للشيوخ في القيادة والتوجيه، ولكن تكون مشاركتهم بنسبة، على أن لا تتجاوز هذه النسبة، في رأيي، العشرين بالمائة من مجالس الشورى، والعشرة بالمائة من المجالس القيادية العليا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإسلامية
عرض التعليقات
تحميل المزيد