لا يمكنك الاعتراض على العنوان بحجة أنه لا توجد معركة مخصوصة، وخاصة للحركة الإسلامية، بدعوى أنها معركة الأمة جميعها. ذلك أنه وإن كان ذلك صحيحًا، إلا أن من حمل وتحمل لواء هذه المعركة ومن صدرها وتصدر لها وبشر بها في أدبياته هم قادة الحركة الإسلامية ومفكروها ودعاتها، وعلى قدر ما كانت البشارة ضخمة وسائدة، على قدر ما كان العمل لها تائهًا ومشتتًا.

أولًا: التربية على عمومية المعركة والوقوف عند المصطلحات القرآنية المجردة مع عدم القدرة على تنزيل تلك الأوصاف والمراحل والمفاهيم القرآنية – الصالحة بالإجمال لكل زمان ومكان- على المعركة المعاصرة بشكل واضح وجلي، مما أدى إلى حلول واعتماد التفسيرات التنظيمية المتغيرة وغير المستندة على معايير ثابتة لشكل وطبيعة ودرجة الصراع، وعلى أي أرض نقف وفي أي اتجاه نسير !!

ثانيًا: كان ذلك من خلال تدريس الدين بشكل مدرسي داخل أروقة الجماعة، والقيام بدور بديل للمدرسة الدينية المفقودة من خلال معلمين غير أكفاء، تعتريهم السطحية والاختزالية في كثير من الأحيان [مشكلة الكفاءات التربوية[.

ثالثًا: كان ذلك أيضًا من خلال اعتماد مناهج دراسية بسيطة وغير مركبة وغير قادرة على تفسير العديد من الظواهر الاجتماعية والسياسية، والتي تعني في كثير من الأحيان بالمسائل الأخلاقية العامة، والتركيز على الرزمانة المفاهيمية الخاصة بالتنظيم وذلك بحجة ما يسمى توحيد المستوى التربوي، وفي رواية: من أجل القدرة على السيطرة والتحكم في هذا الجسد المترهل !!

رابعًا: أدت فكرة التنظيم والحفاظ على تماسكه والخشية من انفراط عقده إلى نوع من الجمود المذموم، نظر بعين الشك والارتياب لكل من وما يتعلق بالنشاطات الفكرية، واعتبارها إما جيوبًا ضارية يجب التحذير منها أو بترها إن اقتضت الضرورة، أو التقليل من حيويتها والتشغيب على القائمين عليها في بعض الأوقات، والتعامل معها بروح التنظيم الموازي وليس باعتبار الجهد المكمل، اللهم إلا إذا انطوت تحت إدارة المؤسسة وعين الرقيب الدعوي، هذا فضلًا عن تقلص وعدم إفراد مساحات خاصة لذلك حتى داخل التنظيم نفسه!

إلا ما كان يدور حول المسودة المفاهيمية للتنظيم، وفضلًا عن طغيان الحركي على المفاهيمي سواء في الممارسة أو باعتباره أحد أدوات التقييم.

خامسًا: غني عن البيان أن ما سبق كان يتم بواسطة رجال الإكليروس التنظيمي، وهم كل من شغل أو اقترب ممن يشغل منصبًا تنظيميًّا، وكانت الحجة والبرهان التقليديين أنهم يمتلكون المعلومات التي لا يجب كشفها على الملأ، مما يرجح وبشكل أتوماتيكي وجهة نظر الشاغل مقعد القيادة ويؤدي عمليًّا إلى رفض أي تعديل لأي مسار إلا أن يخرج من جهة القيادة.

سادسًا: كان من نتائج ذلك أيضًا عدم التخصص إلا في الأطر العامة: أشبال، طلبة، بر، نشر الدعوة… إلخ.

لكن لن تسمع عن متخصصين في العلاقات الدولية، ودراسات فكرية حول طبيعة المجتمعات العربية، ودراسات في العلاقات المدنية العسكرية، فضلًا عن بروز كفاءات حقيقية في هذه المجالات وغيرها، والأهم هو الإجابة عن كل سؤال وتساؤل عن نقص ما بإجابات غامضة ومؤجلة، أو أن هناك من يسد هذا الثغر، وأننا نملك كفاءات لكل الثغور الواقعية والمحتملة!

سابعًا: شيوع الغرور أو الزيف التنظيمي، وذلك بالتدليل على قوة وتماسك التنظيم بانتشاره في العديد من الأقطار العربية والأجنبية، رغم عدم قدرته على تجاوز اللعبة السياسية في أي منها، وعدم قدرته على أن يصبح خطًا لا يمكن تجاوزه في غالبيتها!

وكذلك شيوع فكرة ذهاب الطغاة واستمرارية التنظيم في إيحاء بخروج فكرة التنظيم عن حيز الاجتهاد البشري، وادعاءً للدعم الإلهي الثابت، وبالرغم من بقاء الأنظمة الطاغوتية وقدرتها على تمزيق وخلخلة التنظيم بقوة حتى كتابة هذه السطور.

***

وفي الأخير، لا يدعو هذا النص إلى تجاوز أو عدم تجاوز فكرة التنظيم، إلا أنه يشير بالتأكيد إلى مواطن خلل عملياتية وحقيقية أدى التمسك والتشبث بها إلى جمود معطل، وإلى عكس ما أريد منها تمامًا . كما أن المقال لا يقصد بالتأكيد جلد الذات، بل تحليل أسباب الانكفاء من أجل الوقوف مرة أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد