كانت الحركة الإسلامية وفي القلب منها جماعة الإخوان المسلمون تقوى في بنائها الإيماني والدعوي والمجتمعى يومًا بعد يوم، كان أبرز ما يميز جماعة الإخوان المسلمين هو قوتها التنظيمية وترابط التنظيم الراجع لأسلوب التربية الإيمانية والأخلاقية وطريقتها داخل الجماعة، كانت تلك القواعد التى أرساها الإمام حسن البنا.

كان الإمام يهتم ببناء الفرد أولاً؛ لأنه عماد الجماعة ومصدر قوتها، فهو من يبذل ويضحي ويقود ويدعو، فمن يتحمل كل هذا الجهد غير فرد مُربى، بل وحسن التربية كي يستطيع الجمع بين عمله الحياتي وعمله التنظيمي، وبين تلبية متطلبات بيته وأسرته والوفاء بواجبات دعوته وأسرته التربوية.

يصف الإمام البنا جماعة الإخوان فيقول:” الإخوان المسلمون دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، وشركة اقتصادية، وهيئة اجتماعية”، وهنا يجمع الإمام بين شتى مناحي الحياة والدين، وعلى الرغم من رفض الإمام لتشكيل الأحزاب ورفضه الإنضمام إليها إلا أنه شارك فى الحياه السياسية، وحرص الإخوان على مدار أكثر من ثمانين عامًا على المشاركة السياسية.

لكن يعتبر العام 2000 هو بداية الانطلاق وبقوة فى خوض غمار السياسة؛ ففي البداية في انتخابات العام 2000 مثل الجماعة 17 عضوًا في البرلمان، ثم جاء العام 2004 وأطلقت الجماعة مبادرتها للإصلاح، وبعده بعام (2005) مثل الجماعة 88 عضوًا بالبرلمان، وتوالت الأحداث التي شارك الإخوان فيها وبقوة من مظاهرات القضاة لوثيقة البرادعي ثم ثورة يناير 2011 وحتى الوصول لتنصيب الدكتور محمد مرسي رئيسًا.

على جانب آخر لم تكن النجاحات التي يحققها الإخوان فى المسرح السياسي كلها مغانم للجماعة، بل إنها فى بعض الأحيان كانت مغارم؛ ففى كثير من الأحيان كان العمل السياسي يخصم من رصيد العمل الدعوي، والعمل الاجتماعي أصبح يؤدي لمصلحة العمل السياسي، فما كان يؤديه الأفراد سابقـًا تحت مظلة الدعوة الإسلامية أصبحوا يؤدونه تحت لافتة النائب البرلماني عن جماعة الإخوان المسلمون فلان الفلاني.

وظهرت بعض آفات العمل السياسي على الصف، فكثرت الإداريات وقلت الروحانيات وأصبح التقييم على أساس الالتزام بالتكليفات، وأداء الواجبات قبل حالة الإيمانيات ومستوى التحصيل العلمي الشرعي والديني، أصبحت الجماعة شركة لها رئيس ومجلس إدارة ومديرون ومديري أقسام وفنيون وعمال ومهندسون وكذا وكذا.

حتى وصلنا ل30 يونيو 2013 وعزل الدكتور مرسي ووضعت خارطة الطريق وبدأت الحياة السياسية في مصر تسلك طريقـًا جديدًا، وأقام الإخوان اعتصامهم في رابعة والنهضة، والباقي معروف للجميع، حتى وصلنا للحظه الراهنة.

 

لن أتحدث عن المسار السياسي أو الوضع السياسي الراهن، لكني سأتحدث عن وضع الدين في مصر، فشعب مصر”المتدين بطبعه” الذي كان في أغلبه له موقف واضح بعد الثلاثين من يونيو تجاه الإسلاميين برفض وجودهم هم وجماعاتهم وأحزابهم وشيوخهم، إما لجهل بعضهم أو لتأثر بعضهم الآخر بالإعلام المُحرض، أو للاختلاف في الأيديولوجيات التي طغت على الدين عند بعضهم.

الوضع الآن، هناك معركة سياسية، نعم هناك معارك سياسية داخلية وخارجية على نطاق واسع، لكن هناك معركة على المعتقدات والثوابت بدأت حدتها تزداد مع وصول الإسلاميين للبرلمانات فى دول الربيع العربي عامة ومصر خاصة؛ حيث شنت التيارات الليبرالية والعلمانية – التي اجتذبت كثيرًا من الشباب – حربًا ضروسًا على الإسلاميين حتى نجحت فى إقصائهم (بغض النظر عن القوة الفعلية لتلك التيارات) وبدأت بعد ذلك حركة الإقصاء لكل ما هو إسلامي بدعوى حماية المجتمع من الأفكار الإرهابية الظلامية.

 

إذن فالحرب على الإسلاميين وفي القلب منهم الإخوان المسلمون أخذت منحيين: الأول سياسي والآخر ديني، فكيف واجه الإسلاميون هذا؟ هنا يركز الإسلاميون على الجانب السياسي فقط، ويتركون الجانب الديني لفضاءات مواقع التواصل الاجتماعي وفقط، حتى لما تم الحديث عن معتقدات يجب تغييرها والقيام بثورة دينية اكتفى الإسلاميون بالتعليق على مواقع التواصل الاجتماعي، مرة بالسخرية، ومرة أخرى بالاستنكار.

وهنا أعود إلى البداية، فأبناء الحركة الإسلامية ما زالوا يسلكون المسلك نفسه، وما زالوا يعانون من مرض ألم بهم مع بداية الألفية الجديدة وتركوه يتفاقم حتى الآن، وما زال العمل السياسي يخصم من رصيد الإيمانيات والروحانيات والتمسك بالدين.

 

ينتقدني أحدهم ويقول لي: ما الدلائل على ما تقول؟
أجيبه: انظر حولك يا صديقي، كم حالة انتحار كل شهر؟ كم عدد من يسيرون في طريق الإلحاد كل يوم؟ كم فتاة خلعت حجابها؟
يقول لي: إن الأبواب قد أغلقت فأنى للدعاة أن يتحركوا؟

أجيبه الدعاة أنفسهم في إيمانياتهم مريضون، بل إنهم يستدرجون إلى مشاركة الدعاة إلى الله في هاشتاج مسيء يحمل سبابًا قذرًا، وتبريرهم ذلك بل وسردهم لأسانيد تقول بمشروعية هذا الأمر ألا تسمي هذا استدراجًا؟ أو تداول صور فاضحة لشخص وتبريرهم لهذا بأنه فضح للفاسدين، ألا تسمي هذا استدراجًا؟

 

يا عزيزي إن تساويت في الأخلاق مع الآخرين فماذا تبقى لديك؟ يا عزيزي أصبح السباب على الألسن التي كانت تلهج بذكر الله أمرًا معتادًا، لا أقول إن ذلك في أوساط الشباب فقط، بل إنه أصبح شائعًا في أوساط البنات أيضًا.

 

يسألني ما العمل إذن؟

أجيبه دينك دينك لحمك دمك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد