لقد كان إقصاء الحركات الإسلامية من السلطة بالعالم (العربي) عاملًا أساسيًا في وقوفها مع ذاتها، وبذل مجهودات كبيرة في قضايا فكرية عميقة، التي انتهت بمراجعات وتراجعات جد مهمة، ولكنها غير كافية، من قبيل موقفها من الديمقراطية والمشاركة السياسية، وحقوق الإنسان والتعددية والاختلاف، وتغير رؤيتها للغرب، وغير ذلك من القضايا التي لا تدعها فريضة التجديد لتبقى جامدة في أذهان المسلمين ناهيك عن الإسلاميين.

إن الحراك (العربي) أسفر عن معادلتين جديدتين للإسلاميين أولها السلطة وتحدياتها، يعني الانتقال من الدعوة إلى الدولة، أو بتعبير آخر من السجون إلى كراسي الحكم والسلطة، المعادلة الثانية كيف السبيل للجمع بين الممارسة السياسية والانشغال بالسياسية مع الإنتاج الفكري وضرورة تطوير الخطاب السياسي والفكري من أجل التدافع مع مختلف التيارات والرؤى الفكرية الاخرى؟ يشكل هذين التحديين من أبرز ما وقف أمام الحركات الإسلامية السياسية فكريًا بعد استلام مناصب الحكم، وانتهى الأمر بفشل بعضها في الحفاظ على الشرعية، سواء كان ذلك بانقلاب صريح أو غيره، وبقي إسلاميو المغرب استثناء، كمكافأة على عدم رفع شعار إسقاط النظام في الحراك المغربي.

إذًا، بما أن الثورات (العربية) فتحت باب السلطة أمام التيارات الإسلامية، فإن السلطة أغلقت باب الإصلاح الديني لدى تلك القلة القليلة التي بذلت مجهودات كبيرة، وغن كانت غير كافية في مجال الإصلاح الديني وتجديد الرؤى في كثير من المسائل والقضايا، وخاصة المتعلقة بالدولة، وأحدث ما توصل إليه العقل الإنساني من معارف، وجعل انشغال هذه التيارات الإسلامية بالسياسة، وتدبير الشؤون اليومية للمواطنين ينسيها في استمرار عملية تنقيح التراث وتجديد مناهج التفكير، علمًا أنها هي الوحيدة التي بادرت إلى ذلك على يد الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي وقطب وشريعتي، وغيرهم من أقطاب التجديد والإصلاح الديني في العالم الإسلامي.
إن تجديد الفقه السياسي ومرونته المطلقة يضل ضالة الإسلاميين في الحفاظ على مقاعدهم في مراكز السلطة بالمغرب، ولو كان لذلك فراغًا تنظيريا، لكنه من ناحية الممارسة جلي وواضح، وعكس ذلك تمامًا كان سبب فشل تجربة الإخوان المسلمين في حزب الحرية والعدالة بمصر، فلو وضع إسلاميو مصر رهان السلطة الجديد الذي يقتضي التطوير الحتمي في الفقه السياسي والذهاب بعيدًا في معالجة بعض القضايا الشائكة كعلاقة الدين بالدولة والقضايا ذات الصلة بمفاهيم الحرية والتعددية والاختلاف وغيرها ما كانت تجربتهم ستنتهي بالانقلاب على الشرعية التي هي في نظر غيرهم انقلاب على الاستبداد ومحاولة الهيمنة اللذين كانا نتيجة محاولة تعويض حرمانهم وما فاتهم من السلطة.

إنه لأمر محزن اليوم أن تغرق الحركات الإسلامية في الانشغال بقضايا السياسة، وإهمال القضايا الفكرية إهمالًا كليًا بحيث تكون أمرًا ثانويصا، وهذا من شأنه ان يزيد حدة الازمة التي يمر بها الفكر الغسلامي، ويقف الإصلاح الديني في العالم العربي بالخصوص في وسط الطريق لم يحسم مسائل كثيرة لا في الفروع فقط، وإنما حتى في الأصول.

وتجدر الإشارة إلى أن السياقات السياسية والاجتماعية تلعب دورًا هامًا في حجم التجديد الفكري ووتيرته داخل الحركات الإسلامية، فإنهما يختلفان باختلاف هذه السياقات، فالفرق كبير بين حركة النهضة التي قامت بمراجعات فكرية منذ ثمانينات القرن العشرين، والعدالة التنمية الذي قام مؤسسوه بمراجعات مهمة في الشبيبة الإسلامية في بداية تسعينات القرن الماضي، وبين جماعة الإخوان المسلمين بمصر التي ينتظرها الكثير، وكان ثمن التأخير في ذلك، فشلهم في الحفاظ على السلطة، ويبقى السؤال المطروح اليوم على من بقي في السلطة، ما هو الثمن الذي سيؤديه الإسلاميون مستقبلًا لإيقافهم مسيرة الإصلاح الديني بالعالم العربي جراء انشغالهم بالسياسة والسلطة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد