«المرض» مصطلحٌ طبِّي يُصيب جسد اﻹنسان أو عقله أو نفسيَّته، فيؤدي إلى اختلال وظيفي للشخص المُصاب، وإذا تفاقم المرض دون علاج، فسيؤدِّي بالضَّرورة إلى مُضاعفات، قد تؤدِّي إلى أذى ممكن أن يُودي بحياة صاحبه، طبعًا حسب تشخيص المرض وخطره وأثره.

في الواقع لم أذكر هذا التعريف البَدهي للمرض لهدف طبي، ولكن وجدتُ نفسي مضطرًا لذلك حتى أبدأ بالحديث معكم في سلسلة أسميتها «في أمراض الحركات الإسلامية».

فالمرض لا يقتصر على اﻹنسان فحسب، بل يشمل أمورًا عديدة يصعب حصرها، والطبيب إنَّما يذكر المرض بغية العلاج، وقديمًا قالوا «معرفة الداء نصف العلاج».

في الحديث عن أمراض الحركات الإسلامية، لا يمكن إلا أن نستذكر شخصيَّة نافذة البَصيرة وعميقة كتبت في هذا الموضوع ولا نرى مثيلًا لها في العصر الحالي, إنَّها المفكر الراحل د. فتحي يكن رحمه الله.

كَتب الدكتور يكن كثيرًا في أخطاء الحركات الإسلامية وأمراضها، ولعلَّ كتابه «احذروا اﻹيدز الحركي» من أهم ما جاء في هذا الباب, وعلى الرغم من صغر حجم الكتاب، إلا أنَّه كان عميقًا في المحتوى ومركزًا وموجهًا.

شَخَّصَ د.يكن في كتاباته قضايا هامة تعاني منها معظم الحركات الإسلامية، فتحدث عن العصبية وغياب الوعي السياسي وأخطاء التخطيط، وملفات أخرى.

بنى د. يكن أطروحاته بناءً على تجربته الواسعة، ورؤيته الثاقبة، إضافًة لظروف الواقع الذي عاشه والمستقبل الذي استشرفه.

وﻷنَّ ذكر العلماء لا يموت، فأفكارهم نجدها بيننا ونحتاجها في كل وقت، فأنا هنا أجد نفسي بحاجة أن أشاركَ روح د. فتحي يكن في ندائه «احذروا الإيدز الحركي».

أمراض في الحركات الإسلامية

في هذه المقالة، سأقصر الحديث عن مرضين فحسب، ثم أنتقل إلى أمراض أخرى في مواضع تالية.

أولًا: التنظير في مواجهة العمل

ممَّا يتسبَّب في إضغاف الحركة, اهتمام قادتها بالتَّنظير على حساب العمل ونوعيته، وهنا أرجو أن لا يُفهم من كلامي أنّي ضد التَّنظير، ولكن عندما يصبح هو الهدف، فنحن مقبلون على كارثة في فهمه وإدارته.

إنَّ التَّنظير أمرٌ مهمٌ للغاية، إذا كان لتشكيل بيئة مناسبة للتطبيق والعمل، ولكنَّه قد يصبح مرضًا يصيب الحركة الإسلامية إذا مارسه الجميع, أو كان تنظيرًا غير قابل للتطبيق.

الحركة اﻹسلامية تحتاج لفن المزاوجة بين التنظير والعمل، لأنَّ الحركة لا يمكن أن تسير في طريق سليم ما لم تجمع بين الأمرين.

إنَّ الحركة إذا جمعت بين التنظير والعمل أفلحلت، وخلقت إدراكًا صحيًا سيأتي بعوائد النفع عليها داخليًا، وعلى أنصارها ومجتمعها خارجيًا.

ثانيًا: أمراض القلوب وخطرها على الحركة الإسلامية

يقول أبو هريرة رضي الله عنه: «القلب مَلك، والأعضاء جنوده، فإذا طاب الملك طابت جنوده، وإذا خبث القلب خبثت جنوده».

ولأنَّ الله أمر بتطهير القلب وصفائه, يحتاج أبناء الحركة الإسلاميَّة وقادتها إلى سلامة القلب، فطالما سَلمت القلوب بُورك بالعمل.

في الواقع الكثير من المشكلات التي تعاني منها الحركات مصدرها أمراض القلوب, وللأسف هذا أمر يتم إغفاله, وغالبًا ما يسبّب النِّزاعات ويُسهم بتشكيل العصابات والحزبيات داخل الحركة الواحدة, وعلاج هذه الأمراض أمرٌ تربوي بحت يبدأ بزرع الخوف من الله والمناصحة والمكاشفة.

وأمراض القلوب كثيرة ومدمِّرة أبرزها؛ الغيبة, النميمة, سوء الظن, الحسد.

يتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد