الوطنية والديمقراطية فى فكر البنا

تعيش الحركات الإسلامية وضعًا صعبًا، بل وشديد الخطورة، بدأت بواعثه منذ عقود، لكن نتائجه تتابع مع بداية الألفية الجديدة، وخاصة بعد الانتكاسات التي توالت على انتفاضات الربيع العربي.

نستطيع القول بأن الهزائم المتوالية التي أصيبت بها الحركات الإسلامية، جعلتها تغير كثيرًا من أفكارها، لكن في الحقيقة ليس نحو الأفضل.

فلم تتغير هذه الأفكار على مستوى المعرفة والفكر، والإجراءات، وإنما تغيرت من ناحية الثوابت التي أسست عليها تلك الحركات، وهذا ما يدفعني إلى القول بأنه تغيير ليس إيجابيًا، ولتوضيح هذه الفكرة أضرب على ذلك مثالين:

المثال الأول: أسس الإمام الشهيد حسن البنا حركته الدعوية والإصلاحية والثورية، في النصف الأول من القرن المنصرم، من أجل إحياء الخلافة التي سقطت على يد الماسونية العالمية ورجلها مصطفى أتاتورك، وبالتالي فالحركة الجديدة هي حركة أممية تنطلق من مرجعيتها الإسلامية وتتمثل بقوله تعالى: (إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: 92]، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)(1)

لكن ومع تطور الخطاب الفكري والسياسي للحركة، أصبحت تعترف بحدود سايكس بيكو في واقعها العملي، ففي الوقت الذي اجتمعت فيه قوى إقليمية ودولية لمواجهة الربيع العربي، تجد كل قطر يتعامل مع هذه الهجمة في عزلة تامة عن الأقطار الأخرى، بل وجدنا أقطارًا أعلنت فك الارتباط بالجماعة الأم وإن كانت تحمل نفس الاسم كما حدث في حركة الإخوان بالأردن، وكذلك حركة النهضة في تونس.

ولا أعني بهذا الكلام ذم أو رفض مفهوم الوطنية، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب بلده مكة ويحن إليه، لكن طبيعة الصراع في المنطقة يتجه ومنذ القدم إلى التحالفات، وهذا ما عجزت عنه جميع الحركات الإسلامية في الوصول إلى تحالف قوي لها يعصمها أو على الأقل يقوي ساعدها في مواجهة هذا الصراع.

المثال الثاني: وهو تعامل الحركات الإسلامية مع مفهوم الديمقراطية، فمثلا نجد الإمام البنا رحمه الله، لم يتخذ موقف الخصم من الديمقراطية، بل تعامل معها برؤيته الإسلامية، واعتبر أن الإسلام هو نظام يحمل في طياته مبادئ أقوى وأعدل من الديمقراطية الغربية، ويتحدث رحمه الله عن هذا الاعوجاج في الديمقراطية الغربية فيقول: نظام الحكم الذي ارتضته مصر، وأعلنته على رؤوس الأشهاد، وسجلته في دستورها: هو النظام الديمقراطي.. والحكم الديمقراطي في كل قواميس السياسة والسياسيين: «حكم الشعب بالشعب» ومهما اختلف السياسيون على الأشكال والألوان والوسائل التي يتحقق بها هذا الحكم.

فهم لم يختلفوا أبدًا على هذه الحقيقة، وهى: أن لب الديمقراطيات الاعتراف بسلطة الشعب، وحقه في أن يحكم بالنظام الذي يختاره ويرضاه، ولقد نص الدستور المصري في مادته التاسعة والأربعين بعد المائة على أن دين الدولة الرسمي الإسلام، وكان في هذا صادقًا محقًا، ومصورًا أدق تصوير لروح الشعب المصري ومشاعره، ومعنى هذا أن الديمقراطية المصرية يجب أن ترتكز على تعاليم الإسلام وأن تستمد منها لتكون ديمقراطية صحيحة، ومن حسن الحظ أن روح الإسلام وتعاليمه لا تتعارض مع روح الديمقراطية الحديثة متى سلمت من الشهوات الحزبية والأهواء الاستعمارية… وإذا كان هذا النظام هو نظام الحكم في مصر، فمن هم الذين قلبوه في الحقيقة، وما زالوا مصرين على أن يظل النظام مقلوبًا إلى الآن. (2)

وهنا نجد الأمام البنا يعتز بهويته الإسلامية، ويفسر مفهوم الديمقراطية حسب توافقها مع النظام الإسلامي وبيئته العربية، وهذا التصور بعدت عنه الحركات الإسلامية رويدًا رويدًا، حتى أصبح خطابها الآن يطالب بالديمقراطية كما هي في الغرب، متجاهلين طبيعة الوضع العربي والإسلامي والإقليمي.

وهنا أطرح فكرة واتبعها بسؤال أتركه للقارئ الكريم، يفكر فيه في محاولة للوصول إلى الفكرة التي من أجلها كتبت مقالي هذا.

نستطيع القول أن تركيا الآن تعيش في نظام ديمقراطي حقيقي، وتعدد أحزاب ومنافسات قوية، ربما تتمنى جميع الحركات الإسلامية في المنطقة الوصول إليه.

لكن مع ذلك تجد جميع الحركات الإسلامية تضع يدها على قلبها مع كل استحقاق انتخابي في تركيا، خوفًا من سقوط حزب العدالة والتنمية، وصعود الأحزاب العلمانية إلى السلطة، وهذا الخوف ليس ببعيد عن الشعب التركي نفسه يلاحظه كل من يتابع ردود أفعال الشريحة المتدينة من الشعب التركي عن طريق المباشرة والتواصل معهم أو حتى على القنوات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي.

والسؤال الآن، إذا كانت هناك ديمقراطية حقيقية، وقانون مطبق على الجميع، وحرية تعبير فلماذا كل هذا الخوف مع كل استحقاق انتخابي؟

أترك الإجابة للقارئ الكريم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد