لا شك أن الحركات الإسلامية وفي القلب منها جماعة الإخوان المسلمين تمر الآن بمرحلة حرجة في تاريخها، حيث يتألب عليهم الإعلام بالافتراءات وتقمعهم السلطات بالقتل والاعتقالات. والحقيقة أن هذه الحرب الشعواء كانت متوقعة ومُسجلة في أدبيات الحركة وكتابات مفكريها، فيقول مؤسس جماعة الإخوان المسلمين – أبرز الحركات الإسلامية – الأستاذ حسن البنا: “ﺃﻳﻬﺎ ﺍﻹﺧﻮﺍﻥ، ﺇﺫﺍ ﻓﺘﺤﺖ ﻟﻜﻢ ﺍﻟﺴﺠﻮﻥ ﻭﻋﻠﻘﺖ ﻟﻜﻢ ﺃﻋﻮﺍﺩ ﺍﻟﻤﺸﺎﻧﻖ ﻓﺎﻋﻠﻤﻮﺍ ﺃﻥ ﺩﻋﻮﺗﻜﻢ ﺑﺪﺃﺕ ﺗﺜﻤﺮ”.

ولعلّ هذا مرده إلى أن الحكومات والأنظمة كانت تتعامل سابقا (حتى قرابة منتصف القرن العشرين) مع الإسلاميين أو المتوشحين بالزي الإسلامي على أنها مجموعات من الدراويش المترهبنين في صوامعهم ولا يدرون عن الواقع شيئا فضلا عن سعيهم لتغييره.

فلما لاحت في الأفق أهداف هذه الحركات وأن لها أيديولوجية وفكرة تحاول نشرها وتغيير الواقع بها بدأت أنياب ومخالب الحكومات تتوجه لقمع تلك الحركات والقضاء على أفرادها.

وتنوع تعامل الحكومات في الوطن العربي مع الحركات الإسلامية بين القمع ومحاولة الإبادة وبين الاحتواء ووضع قوالب لتلك الحركات لتعمل بها، فإذا ما تخطت الحركة تلك الخطوط المرسومة لها بدأ القمع. وتكون شدة القمع على قدر خروج الحركة أو الجماعة عن القالب الذي تريده لها الحكومة.

كانت هذه المعادلة هي السارية حتى انطلاق ثورات الربيع العربي، حيث بدأ مفهوم الحرية بالانتشار نظريا وفعليا وتلاشت فكرة التدافع بين الحكومات والحركات الإسلامية لتحل محلها فكرة التنافس حول اكتساب تعاطف الناس والحصول على أصواتهم في الانتخابات بين الحركات الإسلامية والقوى الليبرالية والعلمانية (إن صح التعبير)، وكان للإسلاميين الرصيد الأكبر في الانتخابات التي تمت بعد الثورات رجوعا إلى جاهزيتهم من ناحية الانتشار بين الناس وامتلاكهم للصبغة الدينية التي تجتذب كثيرًا من الناس. وتمت الانتخابات وبدأت بعد فترة قصور الحكم تستقبل مَن اعتادت غياهب السجون على استقبالهم.

ولكن كانت المشكلة الكبرى التي لم يلتفت إليها أحد، وهي أن الثورات لم تُطح بأنظمة وإنما أطاحت برؤوس وأن الانتخابات بعد الثورات لم تأت بأنظمة وإنما أتت برؤوس هي غريبة عن أجسام وأنظمة الدول القائمة.

وهنا يبدأ الصراع يأخذ شكلا آخر، وهو الصراع بين رأس نظام له قيمه وأفكاره وبين جسم نظام ينكر هذا الرأس ويرفض قيمه وأفكاره، وإغفال أي منهما لصراع الآخر أو محاولة تأجيل الصراع هو خطأ فادح.

إن الحركات الإصلاحية التي تنتهج طريق التعريف بمنهجها وإقناع الناس به ثم حشد الناس لحمل هذا المشروع، تلك الحركات أصبح من واجباتها الآن إعادة صياغة مفاهيمها بصورة مواكبة لنتائج التجربة الفاشلة التي مرت بها مع ثورات الربيع العربي وإخفاقاتها إن صح التعبير.

إن اكتساب تعاطف الناس لفكرة تظن أنها الحق مع عدم جاهزية الحركة لقيادة هؤلاء الناس ومع عدم امتلاك الحركة لمؤهلات تطبيق الفكرة من التقنيات والبرامج والقوة الضاغطة أو المقاومة، كل هذا يُعتبر عبثا لا يصح لتطبيق فكرة ونشرها.

وإنه أولى بالإصلاحي أن يظل إصلاحيا وأن يتجنب كل محكات الصراع بدلا من أن يحاول تثوير نفسه فيظل متصارعا مع ذاته بين نهج الإصلاح ونهج الثورة، ويفقد القدرة على إقناع نفسه بما يفعله فضلا عن إقناع الآخرين واجتذابهم لنصرته، وإلا فعليه أن يعيد صياغة أفكاره بصورة ثورية ويوقد حماسه بلهب الثورة وتأتي أفعاله الميدانية مواكبة لهذا التثوير، ولا شك أن التثوير أفضل وأجدى.

إن (حسن البنا) حين تنبأ بتعليق المشانق للإخوان لم يكن بذلك يدعو إلى الخنوع والاستسلام وإنما كان يستقرأ ذلك من خلال معرفته بتجارب التغيير السابقة التي وُوجِهت بالقمع والعدوان لكي يخبر متبعيه أننا سنواجه هذا وعلينا التجهز له والاستعداد للتعامل معه بالكيفية التي لا تعوّق فكرتنا التي نؤمن بها ونريد نشرها.

إن الحركات الإسلامية لم يعُد يصلح لها أن تعيش دور الضحية التي تتلقى الأذى في سبيل دينها وتتحمله دون أن تفكر وتتحرك وتضغط وتصير فعلا وليس فقط رد فعل.

فإن من صميم الدين أن تُغير وتتحرك كما من صميم الدين أن تصبر وتتحمل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد