فوضى الاستدلال الحركي

تعيش الأمة غربة حقيقة منذ عقود، فغابت عن مكانة الصدارة فى العالم، فبعد أن كانت الأمة الإسلامية مصدرًا للمعرفة والحضارة، صارت وللأسف الشديد فى ذيل الأمم، ويمكن أن نلخص سبب هذه الردة الحضارية في قول الفاروق عمر رضى الله عنه: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإذا ابتغينا العزة فى غيره أذلنا الله. ومع سقوط الخلافة الإسلامية العثمانية في أوائل القرن المنصرم، ظهرت دعوات متعددة تحاول المضى قدمًا تجاه إعادة الخلافة من جديد، مستلهمين بشرى النبي ﷺ: تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت (رواه أحمد وغيره وصححه الألباني في السلسلة)، ومع الانتكاسات المتتالية للحركات الإسلامية، ظهر ثلاث اتجاهات، الأول منهم: تمسك بحرفية النصوص، واستلهم تجربة السيرة النبوية حتى في إطارها الزمني، وبعد 13 سنة، ظلوا ينتظرون النصرة من الأنصار، كما فعل النبي ﷺ في اعتقادهم، والاتجاه الثاني: نستطيع أن نقول إنه ظهر في فترة السبعينات وهو محاولة للتعامل مع الواقع السياسي والانخراط في العملية الديمقراطية، واعتبروا هذا الطريق هو الطريق الوحيد لإحداث تغير في واقع الأمة، ووصل هذا التيار في عدد من الأقطار إلى الحكم أو على الأقل شارك في الحكومات بجزء من وزارتها، وبعض هذه الأقطار حدث بها انقلابًا على العملية الديمقراطية، أو تم سحب بعض هذه الحركات إلى أرضية الواقع العلماني، والالتزام بالقطرية والخضوع لأحكامها، والاتجاه الثالث: هو اتجاه العنف، وهو أكثر التيارات التي واجهت العنت والمواجهة من جميع التيارات، نظرًا لأنه استعجل الثمرة، وأنزل آيات الكفار على واقع أمة مكلومة، فأخذ يواجه الأمة بأثرها، فانعزل عنها.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن ما هو الحل؟ ولماذا فشلت كل هذه المحاولات رغم إخلاص كثير من أتباعها؟

ربما تكون المفاجأة بالنسبة للقارئ هو بعدها عن نور الوحي وهداية القرآن ومنهجية النبي ﷺ في التغير، فصارت لديها في الحقيقة فوضى استدلالية،

فتجد تلك الحركة التي تعتبر نفسها في المرحلة المكية، وهي مرحلة الاستضعاف الدعوي، أخذت من هذه المرحلة منهجية كف الأيدي فقط، ولم تدرس باقي المنهجيات الخاصة بالمرحلة وكيف أدار النبي ﷺ مرحلة الاستضعاف، عبر عدة وسائل (هجرة إلى الحبشة – فئة مؤمنة صابرة تبقى في قلب المواجهة – أشخاص من أماكن متفرقة لا ينضمون إلى الأمة المسلمة حتى يظهر أمرها – عقد تحالفات لكن بغير التنازل على المبادئ أو المداهنة فيها – البحث عن مكان خصب لاستقبال الدعوة ونصرتها) وغيرها من المنهجيات والتي ربما يتعامل معها البعض على أنها خاصة بزمن النبي ﷺ، وأن واقعنا اليوم أكثر تعقيدًا، وكأن الله تعالى بعث نبيه في هذا الوقت الذي مقت فيه أهل الأرض جميعًا عربهم وعجمهم إلا بقية من أهل الكتاب، بسلاح غير الذي نملكه الآن وهو منهج القرآن والسنة.

وتلاحظ أيها القارئ الكريم هذه الفوضى، حين تسمع من هذه الفئات بعض صراعها مع أنظمتها، أقوال مثل يمكن أن نتصالح معها فقد صالح النبي ﷺ قريش في الحديبة، أو قولهم إننا بذلنا ما في وسعنا وحفرنا الخندق وننتظر الريح التي تحمل قريش على الرحيل، متناسين أنهم لا يزالون في الفترة المكية ولن تأتي الريح إلا مع السنن الربانية.

ما أود أن أقوله إن الإسلام جاء بمنهج شامل، يتناول مظاهر الحياة جميعًا، وجاء بأحكام تفصيلية في كثير من الأمور السياسية، وليس كما يدعي الكثير ممن أصابهم الانهزام النفسي أن الإسلام جاء بتفصيلات في الجانب التعبدي وأجمل في الجانب السياسي، ويكفيك أن تنظر إلى التقسيم الموضوعي للقرآن الكريم في أي موقع على الإنترنت ستجد مثلًا أن التوجيهات الخاصة بالجانب العبادي من صلاة وصيام وزكاة وحج وذكر وجدت في حوالي 377 موضع في القرآن، وآيات المعارك والجهاد فقط ذكرت في حوالي 397 موضعًا، وإذا تناولت أي كتاب في الحديث أو الفقه ستدرك أن الجانب التعبدي هو أقل بكثير من بقية جوانب تنظيم الحياة في جميع مناحيها، ولكن ما آليات التعامل مع كل هذه النصوص؟

هل كانت هذه النصوص لفترة زمنية لا تصلح أن تطبق بعدها، وهل أجهد الصحابة والتابعين أنفسهم في نقل تراث تاريخي لا قيمة له في واقع الأمة بعد عصر النبي والخلفاء الراشدين، أم أن نور الوحي هذا جاء ليطبق ويحكم الأرض، ولكن بمنهجية صحيحة خاضعة لقواعد أصولية راسخة، فينظر في كل نص وفي واقع نزوله وأسبابه، وهل هو واجب التطبيق أم صرفته القرائن، فلست ممن يجمدون على ظواهر النصوص، ولكنى ممن يستلهم منها حركته، فهي المرجعية العليا للأمة وهويتها الحقيقية في حالة التيه التي تعيشها.

والكلام هنا فى هذا التفصيل ربما يضيق به المقام، لكن إذا احببت أيها القارئ الكريم الاستزادة، فيمكنك الرجوع إلى كتب معاصرة أصلت للمنهج الحركي في سيرة النبي ﷺ واستلهمت الرشد من هذه التجربة التي لا يمكن أن تكون تجربة تاريخية جاءت في واقع الأمة لتعيش لحظات، ثم تصبح الأمة في نكد من العيش وهي تنظر إلى هذه المرحلة وتتمنى لو أنها عاشت فيها، ومن هذه الكتب التي أصلت للحركية في النصوص والسيرة النبوية، الحرية أو الطوفان للدكتور حكام المطيري، وكتابه تحرير الإنسان وتجريد الطغيان، وغيرها من كتبه الرائعة والتي وصف حال الأمة في تعاملها مع النص من الخطاب المنزل مرورًا بالخطاب المؤول، ثم أخيرًا بالخطاب المبدل، وكذلك وقع بين يدي كتاب «النظرية الحركية فى السياسة الشرعية» للدكتور محمد النوباني، وهو أيضًا يؤصل لمرجعية القرآن والسنة في واقع الأمة المعاصر، والجميل في طرحة هو أنه قسم فعل النبي ﷺ إلى ثلاثة أقسام: استراتيجيات ومنهجيات وأدوات، وأعتقد أن هذا التقسيم لو طبق بمنهجية منضبطة، سيجعل التعامل مع النصوص يتميز بتفاعل كبير، فَتُنَزَّل الاستراتيجيات والمنهجيات للواقع التطبيقى عبر مراحل الأمة، وتترك الأدوات خاضعة للمصلحة العامة وللمجتهدين الحرية الكاملة في النظر فيها.

في الحقيقة مهما حاولت أن أوضح وجهة نظري فى هذه الكلمات القليلة فلن تشفي علل القارئ، فواجب الأمة الآن أن تستلهم منهج القرآن الكريم والسنة النبوية في التغير والبناء، بفهم عميق يتمسك بالاستراتيجيات ولا يتقيد بالأدوات، حتى تضع الأمة أول أقدامها على طريق الخلافة الراشدة الموعودة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد