(وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) آل عمران104
اعتمدت كثيرا من الحركات الإسلامية على هذه الآية، وعدد آخر من الآيات، في نشوئها، ولا يخفى على عاقل أن نشأة تلك الحركات كان له الأثر الكبير فيما يطلق عليه (الصحوة الإسلامية المعاصرة) كما نزعم أن له دورا كبيرا في نشوء (الفكر الإسلامي المعاصر) بعد فترة الركود، وسد باب الاجتهاد الذي ابتليت به الأمة فكرا وتشريعا وحركة.

وعند التأمل في تلك الحركات نجد أنها نشأة في ظروف معينة، ولحل مشكلة (عقائدية أو اجتماعية أو سياسية أو فكرية …) كانت ظاهرة وواضحة، فحاول مؤسسو تلك الحركات أن يطرحوا حلولا لتلك المشاكل مستمدين تلك الحلول من نظرة أصولية للوحي الإلهي، ويجددوا نظرة الناس إلى طبيعة تلك المشكلة، ويعودوا بهم إلى الأصل الذي كان عليه السلف الصالح رضي الله عنهم، وقد نجح بذلك (جيل التأسيس) نجاحا كبيرا.

ثم ما لبثت أن تحولت تلك الحركات الإسلامية إلى شكل تنظيمي هرمي؛ لكي ترتب أمورها، وطريقة عملها، وتحقق أهدافها متأثرة بـ(النظام الإداري الغربي) في الأحزاب وحركات التحرر. وهذا من الأمور التي تحسب لها: (أن تستفيد من تجارب مدنية ناجحة)، ثم توالت الأيام والعقود وتوسعت هذه الحركات وأصبح لها (أدبياتها) الخاصة التي تدور حول المشكلة التي أدت ابتدء إلى تشكيل تلك الحركات، ومن الأمثلة على ذلك: (الحركة الوهابية كرد فعل على مشكلة الطواف حول القبور والشرك الأصغر في مصطلحاتهم (بعض المشاكل العقائدية) – الإخوان المسلمون كردة فعل لسقوط الخلافة والتردي الاجتماعي (أي حركة إصلاحية) – حزب التحرير كردة فعل لسقوط الخلافة (سياسيا وفكريا …) فأصبح لهذه الحركات وغيرها أدبيات تدور في فلك هذه المشكلات، وربما ظهر بين فترة وأخرى من يخرج بأفكار جديدة خارج (المنظومة الأدبية) لتلك الحركات.

ولكن هذا يحدث على فترات متباعدة كماً ونوعا، وبعد مرور عقود على التأسيس أصبحت تلك المشكلات من الماضي(أو على الأقل طرق حلها التي طرحت في الماضي لم تعد تصلح لهذا الزمن، أو ظهور مشكلات أكثر إلحاحا من تلك التي تدور حولها أفكار تلك الحركات الإسلامية، أو لم يعد ينظر إليها من نفس المنظور الذي كان ينظر به في الماضي القريب نتيجة لتطور الفكرالإسلامي المعاصر)، ولكن نجد أن هذه الحركات بقيت تدور في فلك تلك المشكلات فلم تستطع التطور ومواكبة المشاكل المستحدثة، بل لم تراجع (نمطية طرحها للحلول) التي ربما كانت ملائمة في فترة النشأة، ولم تعد ملائمة الآن.

كما أن لبعضها جمود في شكل الطرح ومضمونه، فأصبحت (أسيرة لفكرها وتراثها) الذي كان جديدا أثناء نشأتها، وأصبح الآن قديما فوقعت في نفس المشكلة التي أرادت حلها في السابق، وقدست أدبياتها، ولم تراجعها، وتطور من طرحها شكلا ومظمونا، مما أوقعها في انفصام بين جيلها الصاعد وجيل التأسيس والعمل، هذا من ناحية.

من ناحية أخرى كان التنظيم ضرورة من ضرورات العمل في القرن الماضي، فترسخ ( شكله وآلياته) لدى تلك الحركات، بل أصبحت خبيرة بذلك، ولكن بعد هذه الفترة الطويلة في العمل الحزبي والتنظيمي تحولت هذه (الوسيلة إلى غاية) فأصبح التنافس على قيادة هذه الحركات من المشكلات التي تواجهها، وأدت إلى فصام آخر بين الجيل الشاب (جيل العصر الرقمي وحرية التواصل) وجيل التأسيس والقيادات التي كانت تعمل تحت الأرض، وبذلك أصبحت هذه الحركات اليوم أمام مشكلتين كبيرتين، هما:

  1. مشكلة النشأة كرد فعل، ولم تنتقل إلى تغيير خططها لتكون في دائرة الفعل.
  2. تقديس التنظيم وأشكاله ونمطيته الخاصة بكل حركة.

كلتا المشكلتين تبلورت بشكل واضح لدى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) كمنتج (خليط لتلك الأدبيات) فما كان منها إلا أن طبقت (أدبيات) الخلافة، وما نتج عن سقوطها، فعادت بشكل للخلافة يعود في (شكله الخارجي) إلى عصور مضت وانتهت, فطبقته في عصر وصلت في الأنظمة السياسية وترتيباتها الإدارية إلى أعلى المستويات أداء وتنظيما واختيارا فأحدثت بذلك ردة عن مفهوم (الخلافة السياسية) في العقل الجمعي لدى الجيل الصاعد (الجيل الرقمي وجيل الانفتاح والتفكر والحرية).

كما أن المشكلة الثانية تحولت إلى شكل خطير جدا، وهو تكفير من لا ينتمي إلى التنظيم أو تفسيقه ـ على الأقل ـ أو معاملته معاملة مواطن من الدرجة الثالثة أو الرابعة في أحسن الأحوال، فظهرت كردة فعل لذلك أصوات تطالب الحركات الاسلامية بهيكلة نفسها، والتحول إلى العمل العام دون التنظيمي الهرمي.
ونقول في الختام إن الحل يكمن في نقطتين:

  1. الجرأة في مراجعة كل حركة لأدبياتها، وعدم تقديس أي نص، إلا القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة المبينة للقرآن والمتفقة مع مقاصده.
  2. ترتيب بيتها الداخلي ووضعها القانوني، بحيث تبين آلياتها وطريقة اختيار قياداتها، وتكون مسجلة قانونيا. وبذلك تصبح ملائمة للعصر الذي أصبحت فيه بعد تلك التجربة الطويلة. فزمن التنظيمات السرية وإشكالاته يجب أن ينتهي، وكل حسب بيئته وظروفه الخاصة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد