يُعتبر تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر، على يد حسن البنا، ميلادًا لظهور الجماعات الإسلامية بمختلف مشاربها ومذهبها سواءً السنية أو الشيعية، بالطبع يعود سبب ظهورها إلى سعي المفكرين والعلماء آنذاك إلى ملء الفراغ الذي أحدثه انهيار الدول العثمانية، والتي حكمت العالم الإسلامي مدة ستة قرون ممثلةً الإسلام والمسلمين، وجامعةً لكلمتهم، وحاميةً لأمنهم ومصالحهم.

وعندما نقول الحركات الإسلامية، علينا في البداية أن نوضح أنها ليست واحدة؛ بل هي مختلفة من حيث المشرب، والممارسات العقائدية والدينية، والنظرة السياسية إلى العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فضلًا عن علاقة المسلمين بأهل الكتاب، وغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى.

وأيضًا بالتأكيد ظهور الحركات الإسلامية في عالمنا الإسلامي، شكل تحولًا كبيرًا في علاقة الإسلام بالحياة الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، وعلاقة المسلمين بغيرهم من المكونات، دينيةً كانت أم سياسيةً، إذ سعت هذه التيارات الإسلامية في تصوير علاقة المسلمين بالكيانات الأخرى كما أشرنا قبل قليل، سواء كانوا مجتمعات أو أفرادًا وفق رؤى الإسلام، وهذا ما تسبب في حالة عدم اليقين والشك من المكونات غير المسلمة تجاة الإسلام والمسلمين، نقصد بالمكونات غير الإسلامية الغربية بالتحديد.

ولأن الوضع الدولي الذي ظهرت فيه الحركات الإسلامية كانت الدول المسلمة في حالة ضعف، أدى ذلك إلى تأثر هذه الحركات بالوضع الدولي آنذاك، ولا زالت متأثرةً بالتفاعلات الدولية، وعلى سبيل المثال عندما وقع الصراع بين الشرق الغرب، وقفت إلى جانب الغرب، وشاركت في هجمة على الشيوعية، ولكن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وتسيد الغرب العالم بزعامة الولايات المتحدة الامريكية، صور بعض القادة والمفكرين الغربين الإسلام بأنه المهدد الأخطر حتى أعلنه عدوًا.

وكتاب الرئيس الأمريكي الأسبق «نيكسون» الصادر في عام 1992، والذي تحت عنوان «الإمساك باللحظة» يقول فيه: «إن الإسلام والغرب عالمان لا يلتقيان أبدًا؛ لأن الإسلام يعادي كل من لا يؤمن به، وعلى الغرب أن يعمل -دومًا- على مواجهته، إذ إن الإسلام سيصبح قوة متعصبة ينمو بنمو سكانه وحيازته مصادر الثروة والمال والموقع الجغرافي؛ مما يفرض تحديات جديدة على الغرب، على الغرب مجابهتها بإقامة تحالف جديد مع موسكو يقهر هذا المتحدي المعادي، والعدواني الذي يسيطر -بالمصادفة- على ثلثي نفط العالم، واضعًا هذه الثورة في أيدي مسلمين برابرة غير متحضرين وهوائيين». بالرغم من أن الرئيس نيكسون عمم تخوفه على الإسلام، لكن الكثيرين يعتبرون أن تخوف الغرب ليس من الإسلام دينًا، إنما من الإسلام الحركي، والمتمثل في الحركات الإسلامية.

أما سبب تخوف الدول الغربية من الحركات الإسلامية، يرجع لأسباب عديدة منها: ظهورها هذه الحركات في دول منطقة الشرق الأوسط، والتي تعتبر منطقة نفوذ غربية، فضلًا عن أن هذه الرقع الجغرافية تعد قلب العالم النابض، وسيطرة هذه الحركات على حكم بلدان الشرق الأوسط، يعتبر مهددًا للحكومات والممالك القائمة فيها، والمتحالفة مع الغرب، والذي يعتبر أولوية استراتيجية تجاه هذه المنطقة، إزالة كل المهددات عنها –أي الحكومات والممالك العربية- والمتمثلة في الحركات الإسلامية المعارضة لهذه الأنظمة.

وإضافةً إلى ما سبق، معلوم عن الحركات الإسلامية أنها كيانات شعبية، بمعنى أنها ليست حركات نخبوية، فهي تضم كل مكونات وقواعد شعوب الدول التي فيها، بجانب ذلك فهي تنادي بالتحرر من التبعية الغربية والعدالة الاجتماعية لشعوب الدول الإسلامية، لذلك رأت الدول الغربية فيها مهددًا لأمنها ومصالحها القومية؛ لذلك قامت بشيطنتها ومحاربتها باستخدام كل الوسائل بما فيها أنظمة الدول الإسلامية التي شاطرتها الرأي فيها.

وتأسيسًا على ما سبق نخلص ونقول: إن ميزان مصالح القوى الغربية لا يحتمل الحركات الإسلامية المنادية بالدفاع عن حقوق المسلمين، والساعية للحكم وفق ما يرى الإسلام، والمناهضة للهيمنة الغربية على العالم الإسلامي، بالتالي أن ترى فيها –أي الحركات الإسلامية- القوى الغربية تهديدًا لمصالحها، وأن تناصبها العداء فهو أمر في غاية الطبيعة. ولذلك لا يمكن أن يسمح لها بأن تحكم، أو أن تتسلم أي نشاط سلطوي في البلدان الإسلامية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد