كثيرة هي الأمور الخادعة، كثيرة بكثرة الماء، متجددة بتجدد الهواء، متلونة كما تتلون الحرباء.

بداية أحب القول إننا شئنا أم أبينا، رضينا أم أغفلنا الطرف، جاهلين أم متجاهلين، ناسين أم متناسين فقدنا السؤال الغائي للحياة لماذا أحيا ليحل محله سؤال الكيفية كيف أحيا؟

وكانت النتيجة سلسلة من الانحدار الأخلاقي والقيمي وصولًا إلى الحضارة المادية في أحدث أشكالها: لا تعترف بقداسة أي شيء، الإنسان والحيوان سواء. الكلب يُذهب إلى عيادة الطبيب البيطري طالما أن له جمعية تدافع عنه أو صاحب يدفع له، في النفس الوقت الذي يُلقى بإنسان في أقرب منطقة نائية طالما أنه غير مؤمن عليه صحيًّا.

ومع التطور التكنولوجي وظهور العولمة وغياب الوعي ووجود أناس بلا عقول حقيقة تنقد وتحلل الظواهر ولا تتوفر لديهم ركائز أخلاقية منبعها الدين الصافي الذي ارتضاه الله للبشرية، وتشكل حكومات لا تفهم معنى سوى لغة المصالح والمال والبطش بالمُخالف، انتشر هذا الفكر المادي كانتشار النار في الهشيم. سرى في كل البلاد العربية التي من المفترض أنها إسلامية كسريان الدم في كل ذرة من ذرات الجسد لينشر السم المُغلف بأحلى المذاقات.

ولأن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يتخلل المجلات المختلفة كي يقيم الحياة على أسس منضبطة، لا إفراط فيها ولا تفريط. فالإسلام لا يذيب الفرد لحساب المجتمع ولا يفكك المجتمع من أجل إشباع لذات الفرد، لذلك كان لا مفر من تصادم الفلسفة المادية مع تشريعاته.

ليس المجال هنا للخوض في كيف تم ذلك بقدر ما هو مهم بيان النماذج التي تؤكد على شيوع الفكر المادي حتى وإن غُلف بغلاف إسلامي، حتى وإن كُتب بماء الذهب في كل دساتير البلاد المنعوتة ببلاد الإسلامية أنهم يحتكمون إلى الإسلام وشريعته ، تظل الحقيقة كامنة: العالم غزاه الفكر المادي وانتصر بغض النظر عن المسمى الظاهري لديانة هذه البلد أو تلك.

ومن الأمثلة التي تُثبت ذلك تحول بعض الردود إسلامية المنبع إلى أكلاشيهات تُقال بعدما تغيرت معانيها الدلالية. كثير من الأكلاشيهات الإسلامية الحالية هي مثل شقة كان يسكنها أناس أتقياء وبعد موتهم حل محلهم أناس آخرون فحولوها إلى منزل للبغاء مثلًا. البيت لم يتغير من الخارج ولكن وظيفته تغيرت تمامًا من نقيض إلى آخر.

على سبيل المثال لا الحصر، أحد المواقف أراها كثيرًا، لما تتحدث مع أحد وتناقشه في أحلامك التي هي بعيدة المنال جدًا في وجهة نظره مع قلة إمكانياتك وقدراتك المادية، يجيبك مستخفًا “ربنا معاك” وكأنه يقول لك لن تستطيع تحقيق ما قلت لأنك بمفردك.

رأيت هذا مرة في نقاش اثنين من أصدقائي، الأول يريد الزواج وليس معه الكثير من المال، والثاني يحاول أن يقنعه أن يعدل عن هذا القرار حتى تتوافر لديه جميع الإمكانيات المادية “عشان يبقى داخل بقيمته” على حد تعبيره. ومع طول الجدال من الطرف الأول أن الله يرزق وأن الزواج مدعاة للرزق في حين أن الشخص الثاني أبدى عدم اقتناعه. وكانت نهاية الجدال أن قال الشخص الثاني “روح ربنا معاك”.

وكأننا نجتر مقولة فرعون التي حفظها الله في القرآن الكريم “وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ (52)”. فملك مصر في عرف الفكر المادي أفضل كثيرًا من معية الله وفضله – حاشا لله– لأنه غير مريء وفضله لا يمكن قياسه بالمنطق المادي.

ومن هنا تظهر أنه قد تم بتر الصلة بين المقولات الإسلامية ومنابعها الأصلية ثم أعادت المجتمعات الإسلامية – والتعميم مرفوض- إنتاج هذه المقولات لتصبح أكلاشيهات جوفاء لا صلة لها بمضمون إيماني حقيقي، ولكنها في صورتها الحالية أشبه بالقفاز الحريري الذي يخفي تحته المخالب المتمثلة في الفكر المادي المهيمن على الساحة العالمية، ولهذا فإن استخدام هذه المقولات لا يعد دليلًا على تمسك أمة ما بالإسلام بقدر ما هو زينة خارجية تخفي تحتها الواقع المؤسف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد