ما من عاقل منصف على وجه الأرض، إلا ويعترف اعترافًا أن الحضارة الإسلامية هي الحضارة التي تميزت عن غيرها من الحضارات بأنها كنهر عذب صافٍ رقراق، يغدو ويروح على شاطئَيه كل من في هذه الدنيا وكل ما فيها، حتى يشبع الجميع رِيًّا من رشفة تمنحه سرَّ مقومات الحياة.

أما الشاطئ الأول، فيتمثل في الجانب المادي، وأما الثاني فيتمثل في الجانب الأخلاقي والروحي .فإذا أصاب الأول شيء من فساد، تدخل الثاني على الفور ليقوِّمَه، حتى يستقيم الأمر مرة أخرى. وأما إن تكاثرت سُحبُ المعاصي فظللت الثاني، فعلينا أن نعلم أنَّ نور السماء قد حُجِبَ عن جميع من فوق الأرض قاطبة، فتنهار كل موازين العدل، ويسود الظلام والظلم، بل ويعيش العالم كله في مرحلة من الانحطاط في كل مناحي الحياة.

من خلال ما سبق أقول، ها نحن نعيش منذ قرن من الزمان تقريبا في هذه المرحلة، مرحلة الانحطاط في كل مناحي الحياة، لذا فنحن في أمَسِّ الحاجة إلى أن تعود الحضارة الإسلامية (بجانبيها) إلى قيادة العالم مرة أخرى، وذلك من خلال مشروعها الإسلامي العظيم الخالد، الذي لم ولن يستطيع أحد في أي زمان ومكان أن ينال منه، أو أن يستأصل شأفته من فوق الأرض، لأن الذي أرسى قواعده وأصل له هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا المشروع ما كان أبدًا جامدًا، فلقد أمدَّه الله بمرونة ذاتية وحيوية تجعله قابلًا للتطبيق والتطوير في كل عصر من العصور.

أيها القراء الأعزاء، المشروع الإسلامي في أبسط تعريف له، هو أن تقدم الشريعة الإسلامية أجوبة وافية شافية على كل أسئلة العصر الذي يبحث فيه الناس عن مشروعها. هذه الأجوبة إن اعتقدت فيها وآمنت بها الأمة، فسوف تتحول بعد ذلك إلى واقع عملي على يد أبنائها ثم على يد مجموعة من النبهاء المخلصين، فتنال الأمة سعادتها التي سوف تنعكس على البشرية، وحين يتعذر ذلك فلا ينبغي أن نتهم المشروع الأصيل بالتقصير، وإنما التقصير يكون من العقل الذي قام بمهمة الاستنباط والإسقاط.

في هذه الفترة وما سبقها قد كثُرَ الكلام عن المشروع الإسلامي، وحقيقة الأمر أن من يتكلمون عنه لا يحملونه، وهذا ليس تجنيا عليهم، لأنني سوف أثبت ذلك بالحجة والمنطق، بحيث لا أدع في الأمر ثغرة، ثم، هل تعلمون أن تنظيم داعش له مشروع إسلامي؟!، وأن بعض الفصائل اشتركت مع غيرها فكان لها مشروع إسلامي؟، ثم هل تعلمون أن هناك أشخاصًا لهم مشروع إسلامي؟

أيها القراء الأعزاء، اسمحوا لي أن أتناول الموضوع بشكل مختلف عمن سبقني، وذلك من خلال طرح تساؤلات حول المشروع المعاصر وحامليه.

وقبل أن أدخل في النقاش وطرح التساؤلات، أرى أنه يتحتم عليَّ أن أستعرض، في عجالة سريعة، شيئا من أهم الأحداث التاريخية التي شاركت فيها بعض الفصائل الإسلامية التي تدافع عن مشروعها.

بعدما فشل الأمريكان في تنفيذ مخططهم في سوريا «الذي كان يقوم على التدخل في شئون الدول المستقلة»، أرسلوا رجلهم «كيرمت روزفيلت» إلى مصر في فبراير 1952، ذلك الرجل الذي كان مولعًا بالمغامرات، وقد دفعه ولعه هذا إلى الالتحاق بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، جاء إلى مصر، ومعه مخطط يقوم على التدخل في الشأن المصري، وكان مخططه ينقسم إلى قسمين، القسم الأول يقوم بتنفيذه الملك فاروق، وهذا ما لم يحدث، فلقد استمع فاروق إليه ولم يهتشّ له ولم يبالهِ  «حيث كانت تتعلق المطالب بالإصلاحات السياسية والديمقراطية»، فلجأ روزفيلت إلى القسم الثاني وهو البحث عن بديل يساعده على الوصول إلى سدة الحكم، وبالفعل، اتفق الأمريكان مع تنظيم الضباط الأحرار على الانقلاب على ملك مصر والاستيلاء على الحكم.قال ذلك مايلزكوبلاند في لعبة الأمم.

-الآن الضباط الأحرار قد أخذوا الضوء الأخضر للإطاحة بملك مصر، ولكن لا بد لهم من تحقيق أمرين قبل التنفيذ، أحد هذين الأمرين يتمثل في البحث عن ضابط برتبة كبيرة، يعطي الأمر هيبة ومصداقية، فكان اللواء محمد نجيب. والأمر الثاني يتمثل في ضرورة البعد عن شبهة الانقلاب العسكري، من خلال الصبغة الشعبية، فكان الاتفاق مع جماعة الإخوان المسلمين التي تحمل كرها لملك مصر بعد عملية اغتيال حسن البنا مؤسس الجماعة في فبراير 1949.

رحل الملك فاروق عن عرشة، وحل محله الضباط الأحرار، وها هم الإخوان المسلمون يتفاوضون مع جمال عبدالناصر حول توزيع مكاسب الثورة فيما بينهم. ولكن سرعان ما دب الخلاف الذي دفع ناصر إلى فتح السجون والمعتقلات.

تقول رواية إن الخلاف تفجر حينما طالب الإخوانُ ناصر بالوفاء بوعده الخاص بتطبيق الشريعة، وقد ماطلهم في ذلك. ورواية ثانية تقول إن الخلاف نجم بسبب رغبة الإخوان تولي وزارات معينة، فرفض ذلك عبدالناصر. ورواية أخرى تقول، إن ناصر كان يفهم عقلية الإخوان المسلمين، ومن ثم جرهم إلى الخلافات حتى يتخلص منهم، على أية حال، بعيدًا عن أسباب الخلاف التي أدت إلى لجوء ناصر إلى التنكيل بالجماعة. ينبغي هنا أن نسأل:

هل وقف الإخوان المسلمون وقفة مع النفس ليتدبروا وليفهموا طبيعة العلاقة ما بين السلطة والقوة من جهة وبين المعارضة والممارسةالسياسية من جهة أخرى، وذلك حتى يرسموا ملامح طريق المستقبل؟، حتى وإن كان هذا التدبر من داخل السجون والمعتقلات. لكن هذا ما لم يحدث، بدليل تكرار سقوطهم في التجربة اللاحقة. والخلاصة أن الإخوان المسلمين تم استخدامهم من أجل الإطاحة بالملك، وقد أنجزوا المهمة «وهذه هي النتائج الثابتة».

رحل جمال عبدالناصر وحل محله الرئيس محمد أنور السادات الذي شهد عصره انفراجة وهدوءًا نسبيًا. وفي هذا العصر أيضًا تم استخدم جماعة الإخوان في مواجهة قوى اليسار التي كانت تمثل صداعًا في رأس السادات. أفرج السادات عنهم وأفسح أمامهم المجال لكى يتصدوا للناصريين والشيوعيين وغيرهم «وبخاصة داخل الجامعات المصرية». شهد عصر السادات أيضًا ميلاد الجماعة الإسلامية وذلك في مطلع السبعينيات، وهي الجماعة التي قامت باغتيال السادات في السادس من أكتوبر عام 1981، وهنا لنا تساؤل: ما الهدف من عملية الاغتيال؟ هل الهدف كان الاستيلاء على الحكم؟ هل الهدف كان مساعدة أحد رجال نظام السادات لكي يجلس على عرش مصر بعد التخلص من السادات؟ هل جماعة الإخوان كانت على علم بما خططت له الجماعة الإسلامية؟ هل كان لدى هذه الفصائل سيناريو محدد؟ لم نسمع عن شيء من هذا، غير أن هناك رواية تقول، أنهم كانوا قد أعدوا خطة للاستيلاء على مبنى ماسبيروا لإذاعة بيان ثوري، ولكن تم إفشاله. والعجب كل العجب أن كل أو جل من كانوا يجلسون حول السادات يوم المنصة كانوا على علم بمهمة الاغتيال! والنتيجة الثابتة عن اغتيال السادات هى تنصيب مبارك رئيسًا لمصر ليحكمها ثلاثين عامًا بقانون الطوارئ. والسبب، وجود فصائل إسلامية تسعى إلى الإطاحة به.«وتلك كانت الذريعة».

في الخامس والعشرين من يناير 2011 خرج المصريون على نظام مبارك، وقد أُجبر على التنحي في الحادي عشر من فبراير 2011، وصارت الأجواء صافية لظهور المشروع الإسلامي الذي تحمله الفصائل الإسلامية، فهل فعلا كانوا قد أعدوا مشروعهم؟

هذا ما سوف أتناوله في مقالتي القادمة لأطرح تساؤلات حول ذلك المشروع الذي لم نرَ له أثرًا حتى الآن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد