يبدو بأن جوبا تتغير، بالفعل. أو بالأحرى، القول بأن جنوب السودان بأكمله بدأ يتغير، مؤخرًا. هذا، ما تُشير إليه الأحداث التي شهدتها جوبا، في الفترة الأخيرة. ليس عاديًا، أن تقوم السلطات بحملة تنظيف شاملة، يتم بموجبها إغلاق الملاهي الليلية، إغلاق أماكن ممارسة البغاء والقبض على العاملات في هذا المجال، لأن هذا لم نعتده منها، إطلاقًا.

ليس عاديًا، أن تُصبح السلطات، قبل كل ذلك، وصيةً على الآخرين، تمنع فنانًا من ممارسة حُريته في الغناء، تُطالب أصوات بإنشاء إدارة لمُكافحة الثراء الحرام والمشبوه، تُنادي أصوات بفصل النساء عن الرجال في مراكز التجميل، تُجبر المنظمات والمؤوسسات غير الحكومية على إغلاق مكاتبها والمشاركة في حملة لتنظيف المدينة، يُجبر العاملين في مجال الجنس على الخضوع لفحوصات للكشف عن إصابتهم بمرض نقص المناعة البشرية من عدمه، تخرج حملة للقبض على مروجي الخمور البلدية.

أمام هذا الواقع، لا يُصبح الحديث عن حدوث تغيير في جنوب السودان، مُجرد فرضية أو حديث للاستهلاك، بل واقع ملموس.

الرقص على جُثث الشهداء

لكل هذا، يبدو وكأن الحكومة تُثبت ما أرادت نفيه، تسعى لتكوين لدولة أخرى غير التي صوت الشعب لاستقلالها، تخونه، ترقص فيه على جثث الشهداء الذين بدأوا مسيرة النضال الطويلة! فالحكومة، بهذا، تُسير على خطا الدولة الأم.

بهذا، تؤكد الحكومة بأنها لم تضع اعتبارًا، للشهداء وعموم الشعب، بممارستها لذات الأفعال القديمة التي كانت تفعلها الحكومة السودانية. لقد قاتل الشهداء، وصوت الشعب للاستقلال عن السودان، ليصبحوا أحرارًا، مواطنين درجة أولى، يعيشون حياتهم بالطريقة التي يريدونها، يستمتعون، وضع حدًا لكل المضايقات، يفعلون ما يريدون وقتما يريدون، يستمعون إلى ما يريدون الاستماع إليه، يغنون على هواهم، حتى لا يُحدد لهم أي شخص، مهما كان، ما هو صالح وطالح، في حياتهم.

بعد كل هذا: إراقة الكثير من الدماء، والمعاناة، والقمع، والتنكيل، فإذا بهم يجدون أنفسهم، يصطدمون بالواقع القاسي: لم يتغير شيء. الوضع هو ذاته، سواء كان في السودان أو جنوب السودان! لقد تقلص الفارق بين الدولتين، فما كان يُنظر إليه، على أنه هامش كبير من الحرية، الذي وفره الاستقلال لمواطني جنوب السودان، قد أصبح معدومًا، الآن.

لا مجال للترفيه

حسنًا، لنواجه الواقع بعد حملات التنظيف التي قامت بها الحكومة، مؤخرًا. حاليًا، الوضع كالتالي: لا سهر، لا رقص، ولا ترفيه، بعد اليوم، فقد أغلقت جميع الملاهي الليلية، ليس هناك أمن، لا مجال للغناء للحرية والسلام، كبت جنسي يتم تعويضه باللجوء للاغتصاب وعندما تفعل ذلك تجد العقوبة في انتظارك، يتم سؤالك عن مصدر أموالك، والتدخل في نمط حياتك … إلخ.

هل هناك من يريد أن يعيش حياته بهذه الطريقة؟ بالتأكيد، لا. لكن، الحكومة تُريد أن يُطبق هذا على الجميع، بأي شكلٍ. هي تُريد، أن ينام الجميع مُبكرًا، ألا يتدخل أحد في السياسة، أن تستمعوا لمادونيتا وتكبتوا رغباتكم الجنسية في ذات الوقت، تُحدد لكم ما ينبغي أن تفعلوه وما لا تفعلوه، أن تسمحوا لها بتنظيم نمط حياتكم بالكامل!

باختصار، هي تُريد فعل كل ذلك، دون أن يُطالبها الشعب بأي التزام، في المقابل!

إعادة تعريف الدولة

أمام هذه المعطيات، يصبح طبيعيًا، السعي والحرص على إعادة تعريف الدولة، من جديد.بالطبع، هذا ما تحتاج الحكومة للعمل عليه، في الفترة المقبلة. كل هذا، يتطلب اللجوء إلى «إعدادات ضبط المصنع»، ليصبح واقعًا.

بالفعل، الحكومة تبدو جادة، حاليًا، للقيام بهذه المهمة. لقد بدأت، مؤخرًا، في العمل على تغيير اسم البلاد، من «جمهورية جنوب السودان» إلى «جمهورية جنوب السودان الإسلامية»، ليتماشى ذلك مع الأحداث التي شهدتها البلاد، في الفترة الأخيرة.

الدلائل كثيرة، لا تحتاج إلى بذل أي مجهود لملاحظة ذلك، بالتأكيد.كل ما قامت به أذرع الحكومة: الوحدات العسكرية، ووسائل الإعلام، والسطات التنفيذية، في الفترة الأخيرة، تُثبت ذلك.

لذا، وليكتمل التحول الكبير، فقط، يتبقى إنشاء وحدة شرطية تُسمى «شرطة الآداب والنظام العام»، وهيئة تُسمى «الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر»، وإصدار قرارات تقضي بــإغلاق المحلات التجارية قبل الصلاة يوم الأحد، ومعاقبة كل من يُخالف ذلك، بغرامة مالية كبيرة وسحب رخصته التجارية!

بعدها، سيكون مفهومًا كل هذا التغيير، التضييق على المواطن، وسبب الحرص على نمط حياته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد