في بداية (كتاب الدولة المستحيلة) يُصدم كثيرون من المهتمين بالفكر الإسلامي لمدى حسم الكاتب بروفيسور وائل حلاق لفكرة (استحالة قيام الدولة الإسلامية)!.

ولكن هذه الصدمة ستزول بسهولة عندما لا يتم اجتزاء الفهم لأطروحة الكتاب وهي نصًا (أن مفهوم الدولة الإسلامية مستحيل التحقق وينطوي على تناقض داخلي، وذلك وفق أي تعريف سائد للدولة الحديثة) وسيتبدّد الشك عند استكمال فصول الكتاب بقراءة نقدية ومنفتحة نحو اجتهاد مستقبلي؛ والأهم أن نضع عشرة خطوط تحت جملة (وفقًا لقيامها داخل بنيان الدولة الحديثة).

فإننا سنستنتج أمرين: أولاً – أن الكتاب في الأصل ينقض ويهدم أي تقاطع بين الحكم الإسلامي الأصيل وبين الدول الحديثة المعروفة عالميًا بنموذجها (الأمريكي_ الأوروبي)؛ وبين دول المحيط الإسلامي فيما بعد الاحتلال والحالية.

ثانيًا- الكتاب يفتح المجال أمام كل الباحثين والمفكرين والساسة بتقديم اجتهاد جديد يخص جذور تراثهم وتاريخهم ويقدم مشروعًا جديدًا للحكم والنًظم والأخلاق وفقـًا لذلك ومعارض تمامًا للدولة الحديثة وفلسفتها وقيمها المتوحشة.

وبينما يهاجم كثير من أتباع الإسلام السياسي هذا الكتاب معتبرين أنه هجوم على مشروعهم ومؤامرة كونية على الإسلام وتنظيرهم السياسي والقانوني الفذ!؛ يعتبر الكتاب في حقيقته نقضًا للحداثة ولمشروع دولتهم الفاشلة والمستوحشة ومستلهمًا لتاريخ الحكم الإسلامي الأصيل وفي الأصل هو بعيد عن مشروع إسلاميي اليوم شكلاً وموضوعـًا لأنه أخرجهم أصلاً من أصالة ذلك الحكم الإسلامي ونظرياته القديمة، فضلاً عن أن إسلاميي اليوم لا يرفضون الدولة الحديثة ولا قيم الحداثة كلها ولا شكل مؤسساتها، بل يتماهون داخل بنيتها فقط للحكم بها ولكن بشعارات (إسلامية) الشكل والقشرة لا المضمون والجوهر!

وعند التعمق في أجزاء الكتاب  سنجد افتتان الكاتب بالنموذج الإسلامي في التشريع وفي الفلسفة الأخلاقية وقيم المجتمع، والتي حققت طوال اثني عشر قرنـًا حضارة نموذجية القيم وبها مستوى رفيع وراق من العدل والعدالة الاجتماعية والدينامية القانونية المتجاوبة مع مشكلات مجتمعها؛ وحتى في ظل حكومات مستبدة أو إمبراطورية لم يتداخل ذلك مع باقي التوجهات للأمة وتشريعها وأخلاقها الذين حافظوا على تماسكهم واستقلاليتهم وقيمهم.

– وقد أوضح نموذج الحكم الإسلامي بمميزات جوهرية يقارن بها الدولة الحديثة وفلسفتها ونُظمها المنتقدة لديه؛ ومن ذلك خمس نقاط محددة في الفصل الثالث:

– يقوم الحكم الإسلامي الذي يوازي ما نطلق عليه اليوم اسم (الدولة) على أسس أخلاقية وقانونية وسياسية واجتماعية وميتافيزيقية مختلفة جذريًا عن الأسس التي تدعم الدولة الحديثة.

 

حيث في الإسلام:-

– تحل الجماعة (الأمة) محل الشعب في الدول الحديثة والقومية؛ والأمة ليست شعبًا فقط بل شيئًا مجردًا وماديًا في آن معًا ومحكومة أصلاً بقواعد أخلاقية (بمعنى لا تسطيع أغلبيتها فرض شيء مخالف لتلك القواعد الأخلاقية حتى لو بانتخاب) وبصفة عامة كل إقليم من تلك الأمة تطبق فيه الشريعة كقانون نموذجي يُعتبر مجالاً إسلاميًا (دار إسلام) وكل مكان تبتعد عنه الشريعة يُعد (دار حرب) بمعنى إقليم يحتمل خضوعه لعملية تحول إلى الإسلام سلمًا أو حربًا؛ وهدف هذا التحول ليس (إمبراطوريًا قهريًا) إنما هدف أسمى أخلاقي وقيمي يدفع غير المسلمين إلى قبول الشريعة الإسلامية (وعدلها) حيث إنها مجموعة مبادئ أخلاقية في الأساس ومدعومة بمفاهيم قانونية.

– والإسلام بناء على ذلك يقوم ويسقط على أساس الشريعة إلاّ إذا انتزعت أحشاؤه وفرغ من مضمونه (كما حال دول الإسلام اليوم ذات التوجه الاستبدادي والقشرة الحداثية والقومية)

– صاحب السيادة في الحكم الإسلامي هو الله وحده؛ وبالطبع فإن الأمة كلها كما يمثلها كبار فقهائها وقادتها تملك سلطة القرار لا سلطة التشريع الأصلي؛ وهذا فحوى مبدأ الإجماع؛ ولكن تلك السلطة هي سلطة تأويلية أي تعمل في حدود النص والثابت الأخلاقي المستمد من القرآن؛ وأهداف الشريعة التي تتسامى فوق سيطرة الأمة.

– تتكون تلك الأمة من مجموع المؤمنين المتساويين في القيمة؛ فلا يتمايزون أمام الله؛ وإذا فضل بعضهم لا يكون على أساس طبقية أو لون بل على أساس درجة الإيمان.

– تأتى الأمة في حكم الإسلام ويأتي أفرادها قبل السلطة التنفيذية تاريخيًا ومنطقيًا؛ وتلك نقطة في غاية الأهمية؛ فالمسؤولية الفردية لدى الإسلام محل تقدير ذاتي وإعلاء شأنها، وبالتالي شأن الأمة ككل قبل أي كيان آخر بما في ذلك السلطة والقانون، فليس الأفراد مجرد أرقام في دولاب كيان مادي أصم يستعبدهم بل أحرارًا فرادى يسبقون النظام ويأتي أي شيء في خدمتهم؛ فالشريعة تسبق السلطة التنفيذية أيضًا، وفي المحصلة النهائية لا تكون الدولة هنا مبررة الطاعة إلاّ بقدر ما تعزز جهد الفرد في طاعة الخالق؛ بمعنى أسهل (لا طاعة لمخلوق (دولة/سلطة/قضاء/قانون) في معصية الخالق).

– اقتصاديًا تنحاز الشريعة لشئون خدمة الفقراء في أغلب آيات القرآن التي تتحدث عن الأموال وأهداف اقتصاد تلك الأمة يرتكز على قيمة أخلاقية تختص وتهدف لشكل اقتصادي يدعم الفقراء واليتامى والمستضعفين في الأرض؛ وهذا المال الذي يتداول في ظل الحكم الإسلامي هو مال الله الرزّاق وجعل فيه حقـًا قدريًا لعباده الفقراء والمحتاجين؛ فلا شرعية قانونية أو أخلاقية تخالف ذلك المبدأ في ظل حكم الإسلام.

ويحسم الكاتب فكرة معينة عن الحكم الإسلامي الأصيل (والمقصود به نموذج 12قرن الأوائل للمسلمين) (إنه لا يمكن أن يكون ثمة إسلام من دون نظام أخلاقي – قانوني مرتكز على بعد ميتافيزيقي (إلهي) ولا يمكن أن تكون ثمة دولة حديثة من دون سيادة خاصة بها من دون أي سند إلهي أو أخلاقي خارج عن طبيعة فلسفتها وشكلها وفكرها.

إذن إن الدولة الحديثة لا تسطيع أن تكون إسلامية والعكس صحيح؛ اللهم إلاّ إذا أعيد اختراع الدولة الحديثة بالكامل! وفي هذه الحال يجب علينا إطلاق اسم آخر عليها كما يقول الكاتب.

 

الفلسفة الأخلاقية لحكم الشريعة:

انطلاقـًا من كون (حلاق) باحث ذي أدوات كبيرة في تاريخ الشريعة الإسلامية فإنه وجد ضالته المنشودة أثناء بحوثة في التراث الفقهي للمسلمين؛ والذي يستحق أن نعتبره تاريخًا تشريعيًا لنا نجتهد على أصوله ونجدد بناء عليه واقعنا المعاصر لنقدم حلولاً لمشكلاتنا القانونية والتشريعية والأخلاقية؛ وهذا الفكر الأخلاقي إن حدث سيكون نموذجًا إنسانيًا يصلح للعالم أيًا كان انتماؤه وأفكاره وديانته.

وهذا الكلام مبني على حقائق نظريات أخلاقية متكاملة وميزتها الكبرى أنها جربت خلال 12قرنًا من تاريخ المسلمين وقابلة للتطبيق على أرض الواقع، بعكس نظريات غربية ظلت حبيسة مخيلة الفلاسفة أو لم تخضع لتجربة مجتمع حي يومًا ما!

تلك هي فلسفة أخلاق الشريعة الإسلامية وركيزتها خدمة البشرية وإصلاحها وإنقاذها من توحش المادية الحداثية التي زادت بها مشكلات العالم، وأصبحت مصدرًا رئيسيًا لكوارثه ونهب ثروات أممه المسحوقة، واسئثار قلة بالثروة في العالم، وزيادة الفقراء والجوعى؛ ولم تسلم حتى الطبيعة من انتهاكهم واستغلالهم.

وقد دعا الكاتب لنموذج مركزي للأخلاق مستلهم من قيم الشريعة الإسلامية سيساهم في تعاون حقيقي لحقوق إنسان مطبقة وواقعية ولإنقاذ جذري للإنسانية وللطبيعة؛ على الأقل وجود بديل ينافس تلك الحداثة المتأزمة والفكر المادي المبتور الروح والقيمة والعدالة.

– والآن سنجد أنفسنا أمام السؤال البديهي، ما تلك الفلسفة الأخلاقية النموذجية التي يدعو إليها الكاتب بناء على حكم الشريعة؟

قد أوضح الكاتب كيفية حكم الشريعة قديمًا فيما أسماه (قصة الشريعة) مرتكزًا على التالي:-

– إذا لم تكن الشريعة من عمل الحاكم الإسلامي أو الدولة كما هو مؤكد لدينا لأنها ستفهم وترتبط بمقدس قرآني يؤمنون بوحيه من الله. فإن العالم الاجتماعي المشترك أنتج خبراءه القانونيين الذين كونوا عبر قرون متتالية النظام القانوني في الحكم الإسلامي؛ حيث يؤكد لنا ذلك التاريخ التشريعي بأن (فقهاء الإسلام) قد عاشوا قيم مجتمعهم العام وقواعد حياتهم وانحدروا من أفكار محيطهم وتاريخه، ومن طبقات اجتماعية دُنيا أو وسطى؛ وقد تحددت مهمتهم بقواعد مستوحاه من نزعة المساواة المنشرة في القرآن؛ واعتبرهم الجميع مدافعين عن المجتمع مع إعطائهم الأولية للضعفاء والمحرومين.

– برز الفقهاء والقضاة كقادة مدنيين بحكم وظيفتهم بين الناس؛ مشاركين في الشئون المدنية وشعروا بمسؤولية تجاه البشر العاديين؛ وكثيرًا ما شهد التاريخ تحركهم نيابة عن المقهورين؛ وقد مثل أغلبهم القدوة الحسنة في التقوى والاستقامة والتعليم الراقي.

ومن خلال ذلك المجتمع من القضاة وعلماء الشريعة والفقهاء والعاملين بالفتوى وحل المشكلات والنزاعات وفقـًا للشريعة وبقوانين مستمدة من أصولها؛ برز نوع القضاء الشرعي الذي أخذ سلطته من الناس واجتمع لديهم مخزون معرفي كبير وساهم بنشر عدالة حقيقية وناجزة للمجتمع؛ فلم يكن ثمة أموال تدفع من المتنازعين لكي يتقاضوا؛ ولا أموال يدفعها المتهم لخبراء المحامين لاستغلال ثغرات قانون لصالحهم؛ ولم يكن هناك فرق بين إنسان معدم يتقدم لطلب فتية أو علم أو حل نزاع وقضية وبين إنسان غني ذي شأن حتى ولو كان الوالي أو الحاكم نفسه، وكان الفقه والخبرة القانونية منتشرين بين الناس بدون عائق.

– وقد نوه الكاتب عن سبب افتقاد القانون الإسلامي لسجل مدون به النزاعات والقضايا لأن ذلك الشأن قد صنفت بسببه كتب الفقه والتي احتوت على تاريخ كبير من التشريع والقضايا والفتاوى التي صنفت أصلاً في الإجابات على تلك القضايا والمشكلات التي اجتهدوا في حلها لمجتمعهم ومسلمي عصرهم وفقـًا للشريعة.

ولابد أن نوضح هنا أنه قد عمل أغلب الفقهاء وعلماء الشريعة والقضاة دون أي تداخل بينهم وبين السلطة التنفيذية؛ بل كان هناك استقلال حقيقي ليس تشريعيًا فحسب بل أيضًا ماديًا؛ حيث إنهم لم يعتمدوا على الفقه والقضاء كمصدر رزق بل كانوا يمتهنون مهنًا حرفية وتجارية بجوار مهنتهم وعلمهم كحماة للشريعة مما كفل لهم استقلالاً قل نظيره في أي نموذج آخر؛ وعدالة ونزاهة فيما يجتهدون فيه وفي خدمة الناس بوظائف عديدة.

– وقد يهاجم أحدهم ذلك التاريخ التشريعي والأخلاقي للمسلمين من ناحية سلبية الاستبداد السياسي الموجود في حكمهم طوال قرون؛ وهنا فصل الكاتب بين ذك السلطان السياسي الذي هو حكم (من الخارج) لهيكل المجتمع وقوانينه؛ وبين الأخلاق والشريعة والقانون في ظل الحكم الإسلامي؛ مؤكدًا أن استخدام مصطلح (الاستبداد الشرقي) له إيجابيات حكم الشريعة في أدبيات المستشرقين ومن صدقهم ينطوي على سوء نية تخص تبرير الاحتلال؛ وسوء تفسير لحقيقة ذلك الاستبداد الذي لم يحقق ما حققته الملكية الأوروبية مثلاً في ظلمها وطغيانها من حيث أمرين هامين:

  1. لم يستطع السلاطين والملوك قط اختراق المجتمعات التي أتوا ليحكموها بل حكموها من الخارج فحسب.
  2. الحكام لدول المسلمين كانوا مقيدين بشدة بقانون لم يضعوه وكان خارج سلطتهم!

وبالتالي فإن المجتمع المسلم كان أقوى من مستبديه؛ والشريعة كانت مهيمنة على الحياة المدنية أكثر من هيمنة الحكام بالتوغل في حياتهم؛ وقطعًا هذا النموذج المسمى بالاستبداد الشرقي أقل بطشًا ونفوذًا من نظيره الأوروبي على أقل تقدير!

– أخيرًا مناط الشريعة هو قيمها الأخلاقية  المتمثلة في الحرية والعدل الحقيقي، والمساواة بين أفراد الأمة، والشورى التي هي أشمل في تطبيقها من تنافس شكلي ديمقراطي بل تختص بأحقية الأمة كمجتمع تمثله أهم عقوله (أهل الحل والعقد) في اختيار قادته وإدارته من قلب مجتمعهم، وليس من أعلى سلطة مالية أو دينية؛ والانحياز للفقراء والهدف الإلهي من وراء كل شيء مادي وروحاني بذلك المجتمع؛ حيث لا هوية إسلامية من دون أخلاق؛ وبهذا التعريف كما يقول الكاتب فإن من الخطأ الكبير القول بأنه يمكن تجريد الهوية الإسلامية من تاريخها ولا أخلاقها، ومن يقول ذلك كأنه يقول لمواطني أوروبا وأمريكا مثلاً: عليكم أن تظلوا كما أنتم عليه بدون جذوركم التاريخية وتاريخكم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والقانوني، وبدون قيم عصر التنوير!

ويؤكد  ذلك الأمر بأن سيادة الشريعة كانت حكمًا للقانون أكثر تفوقـًا من نظيره الحديث وهو الشكل الحاضر للدول الغربية التي بها فجوة بين نظرياتها وتطبيقها وتدني أخلاقي في فلسفتها وأهدافها.

– والأهم عندي إذا كانت تلك مشكلات الدول الحديثة التي عليها أن تجد لها حلولاً وإن تنقذ واقعها الأخلاقي المتهاوي؛ فإن مهمة المسلمين أكبر وأولى بأنفسهم في إنتاج حكم شريعة عصري ويعالج تدني فلسفتهم وفكرهم على تلك القيم الأخلاقية العظيمة لمقاصد الشريعة، ويقدم بديلاً قانونيًا وقضائيًا نابعًا من ذلك التراث القانوني لنا، وأن نقوم ببعث جديد للأخلاق والشريعة بدولة جديدة لم نخترع نظرياتها بعد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد