758

مقدمة (الفتنة الكبرى)

بقي التنافس على الزعامة بين بني أمية وبني هاشم قائمًا بعد مجيء الإسلام فبعد وفاة النبي جاء خليفتان أبو بكر وعمر لا ينتميان إلى أي من الفرعين الأقوى في قريش، ثم جاء بعدهما خليفة راشد من بني أمية هو عثمان بن عفان حيث وقع خلاف بسيط حينها بينه وبين سيدنا علي الهاشمي استغل أعداء الإسلام هذا الخلاف وخاصة اليهود وحاولوا تأجيجه وعندما حاصر البعض بيت الخليفة عثمان حتى ينفذ مطالبهم حاول سيدنا علي تهدئة الأمور إلا أن الأمور سرعان ما تطورت وقتل سيدنا عثمان شهيدًا مظلومًا في بيته، هذا ما أجج الصراع حيث أراد بنو أمية القصاص من قتلة كبيرهم في ذلك الوقت وهو سيدنا عثمان ولم يرضوا مبايعة سيدنا علي إلا بعد الاقتصاص من القتلة الذي وافق لكن بعد أن يبايعوه ويصبح صاحب الكلمة ويتمكن من أخذ القصاص، لكن خوف بني أمية على ضياع دم عثمان لأن قتلته من عدة قبائل خاصة من العراق حيث يكثر أنصار علي جعلهم يرفضون ذلك قبل أخذ الثأر.

تصميم كل طرف على موقفه أشعل الفتنة حيث عد سيدنا علي معاوية وأنصاره من أهل الشام عصاة بغاة خارجين على خليفتهم الذي بايعه معظم الصحابة، ولتقع ثلاث حروب طاحنة الأولى معركة الجمل بين أنصار سيدنا علي وأنصار السيدة عائشة ومعها الصحابيان الزبير وابن عوف، التي كانت ترى وجوب القصاص بأسرع وقت كي لا يضيع دم خليفة المسلمين وطلب منها بعض أهل العراق المجيء للإصلاح حيث كان خليفة المسلمين علي قد نقل مركز الدولة إلى هناك مع العلم أن الطرفين لم يكونوا يريدون هذه المعركة وحصلت في غفلة عندما قام بعض المندسين من أحد المعسكرين بالهجوم على المعسكر الآخر في غفلة من الليل، فجعلت السيدة عائشة خادمها يرفع القرآن في قمة الجبل كي يقف القتال وتحكيم الشرع وسقط هودجها الذي كان يحمله الجمل ليسألها علي بعد انتهاء المعركة كيف حالك يا أماه (كون لقبها هو أم المؤمنين) لترد بخير وبعد تلك الحادثة عادت السيدة عائشة إلى المدينة وكانت كلما ذكرت الحادثة تبكي حتى يبتل خمارها وتقول أردت الإصلاح ولم أتوقع ما حصل.

والمعركة الثانية صفين بين أنصار علي من أهل العراق وأنصار معاوية من أهل الشام كادت أن تنتهي لصالح سيدنا علي لولا رفع أهل الشام للمصاحف على أسنة الرماح مطالبين بتحكيم كتاب الله، ومعركة النهروان التي خاضها سيدنا علي ضد الخوارج الذين حاربوه بعد أن كانوا في معسكره لقبوله بالتحكيم وانتصر عليهم ليغتاله فيما بعد أحدهم بعد خروجه من صلاة الفجر ثأرًا لهزيمتهم، وبويع سيدنا الحسن للخلافة لكن بعد أن خذله أهل العراق في المعركة مع معاوية وكادوا يقتلونه أيضًا فتنازل لمعاوية لرأب الصدع وليسمى ذلك العام عام الجماعة لعودة وحدة المسلمين.

النزاع الأموي الهاشمي

بعد شعور معاوية بدنو أجله شعر أن الأمويين لن يقبلوا بخلافة من غيرهم بعد عشرين عامًا من حكمه تقريبًا وأن بني هاشم حصلوا على النبوة ولهم الخلافة ويرغبون بابنه يزيد خاصة بعد قيادة الحملة ضد القسطنطينية حيث أثبت كفاءة عسكرية اضافة الى خوفهم من أن يتم الانتقام منهم بالجملة في حال انقلاب الامور بعد الدماء التي سفكت في الفتنة الاولى بالاضافة الى موت الحسن فكان سيسلمها للحسن لولا موته قبله فخاف على وحدة المسلمين من بعده وعودة الفتنة فشاور الكثيرين خاصة من أهل المدينة مقلدًا بذلك سيدنا عمر (الذي حصر الخلافة بين ستة حينها ومن المبشرين بالجنة ومن ثم تنازل ثلاثة منهم ليبقى ثلاثة عثمان وعلي والزبير ليختار أهل المدينة من يخلفه كي يطمئن على وجود حاكم وإمام للمسلمين من بعده) وتمت موافقة الغالبية إلا الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وبعد تولي يزيد الحكم وافق عبد الله بن عمر (بعد أن رأى أن غالبية الأمصار بايعت يزيد) حقنًا للدماء ودرءًا للفتنة وتبعًا لحديث إذا وافقت الغالبية على الباقي الموافقة أيضًا.

وكان الحسين سيفعل نفس الشيء لولا الرسائل التحريضية التي أتته من أهل العراق والكوفة تحديدًا تدعوه للمجيء كي يبايعوه وأنهم مظلومون من حكم بني أمية، فيما ذهب ابن الزبير إلى مكة رافضًا البيعة فسمي العائذ بالبيت وعند اقتراب الحسين من الكوفة خرج أهلها بقيادة واليها إليه لمحاربته بحجة خوفهم من جيش بني أمية فغدروا به وحاصروه فطلب منهم أن يتركوه وشأنه ليذهب بدوره إلى دمشق ويضع يده بيد ابن عمه يزيد كي يبايعه فقالوا له بل تنزل على حكمنا فقرد عليهم هيهات منا الذلة فقتلوه.

وللأسف اعتبر بعض ممن به آثار الجاهلية أن الأمويين انتقموا بذلك من الهاشميين بعد أن حملوا علي مسؤولية قتل عثمان وبسبب هذه الحادثة الأليمة نكث أهل المدينة بيعتهم ليزيد فأرسل لهم جيشًا ووقعت معركة الحرة التي قتل بها أكثر أبناء الصحابة وأكمل الجيش طريقه ليحاصر مكة ويخضع أهلها لولا موت يزيد، فاستغل ابن الزبير الفرصة وأعلن الخلافة لنفسه كي لا يقع التوريث ويستأثر بنو أمية بالحكم، لكن إغراء بني أمية لأهل العراق بالمال وغيره جعلهم كعادتهم مع علي والحسن والحسين ينقلبون على ابن الزبير وحوصر ابن الزبير في مكة وضربت مكة بالمنجنيق ضربتين وعند الثالثة نزلت صاعقة من السماء على المنجنيق جعلت الجند يرتعدون خوفًا ويتوقفون. وبعد حصار طويل خرج ابن الزبير للمعركة بعد الجوع الذي حل بمكة وقتل في تلك المعركة.

النزاع العباسي العلوي

هكذا استطاع بنو أمية أن يحكموا 91 عامًا ليأتي بعدها العباسيون من بني هاشم مستعينين بالفرس من خراسان للقضاء على الدولة الأموية التي اعتمدت على العنصر العربي وأنهك جيشها الثورات التي قامت ضد شرعية حكمها فقتلوا أكثر الأمويين ومن استطاع الفرار ذهب إلى الأندلس، وليقوم العباسيون بدورهم بفعل نفس الشيء وحصر الخلافة بهم ويقع الخلاف داخل البيت الهاشمي نفسه بين العباسيين والعلويين (ملاحظة هؤلاء من كانوا ينحدرون من سلالة علي ولا علاقة لهم بعلويي الشام في الوقت الحاضر فهم طائفة دينية لا علاقة لها بهم) وقضى العباسيون كالأمويين على الكثير من ثورات العلويين وغيرها ممن نافسهم على شرعية الحكم وسياسة تقريب العجم عكس الأمويين.

بهذه السياسة استطاع العجم السيطرة على الدولة العباسية بعد أكثر من قرن على تأسيسها فسيطر الترك عليها فالفرس ثم تلاهم الترك مجددًا لتصبح خلافة اسمية قبل أن تستعيد هيبتها في آخر قرن أقله في منطقة العراق وما حوله حيث إن عمرها الكامل خمسة قرون عاصرتها بعد قرنين من قيامها الدولة الفاطمية الشيعية في مصر وبلاد المغرب ووصلت في اقصى اتساعها الى الحجاز واليمن والشام الى حدود العراق والتي ادعى حكامها أنهم هاشميون من نسل الرسول من ابنته فاطمة فهم أحق بالخلافة التي ادعى العباسيون أنهم من نسل عباس وهو عم الرسول أما علي فابن عمه، لكن أغلب المؤرخين رأوا أن هذا النسب منحول وأن أصول من سموا أنفسهم الفاطميين تعود إلى رجل اسمه ميمون القداح الأهوازي المجوسي!

ذهاب الخلافة الى العجم وضياعها نهائيا

ثم قضى صلاح الدين على دولة الفاطميين وأسس السلالة الأيوبية الكردية التي حكمت مصر والشام حوالي ثمانين عامًا بعدها سيطر المماليك التركمان ومن بعدهم المماليك الشراكسة على الحكم واجتاح المغول بغداد وقتلوا الخليفة هناك فأبيد أغلب العباسيين واستقبل المماليك بعض الناجين ونصبوا أحد العباسيين المتبقين خليفة بالاسم وبقي الحكم المملوكي قرنين ونصف قرن من الزمن يتداوله السلطان ثم ابنه أو نائبه قبل أن يقضي العثمانيون الأتراك على حكمهم ويأتوا بالخليفة العباسي الاسمي فيتنازل عن الحكم للعثمانيين ليذهب الحكم العربي حتى بالاسم ويصبح تركيا، ثم أخيرًا قضى الحلفاء الفرنسيون والإنجليز على الخلافة العثمانية في الحرب العالمية الأولى.

هكذا نرى كيف أن الحكم أصبح ضمن الأسر والسلالات الحاكمة وليس على الشورى أي الأصلح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك