كنت أتناقش مع أحد الدارسين في مرحلة «البكالوريوس»، تخصص «شريعة إسلامية»، وكيفية التدريس، والمناهج، وخطته للدراسات العليا. ومن المعلوم أن تراثنا الإسلامي يحمل الكثير من التناقضات، والخلافات المذهبية والطائفية، التي تمتد جذورها إلى وقتنا الحالي.

الشاهد أن هذا الشاب أخبرني أن دراستهم تكون عن طريق التعلم التلقيني من المعلم على منهجه ومذهبه وفكره الذي يحمله، بل تكون أجوبة الاختبارات في الأخير على رأي «الأستاذ/الدكتور»، وإذا خالفتها، ولو على أساس علمي، فإنك ستخسر العلامة المستحقة، ثم سألته «كيف هي خطتك في دراساتك العليا؟» فقال لي، بكل تلقائية: إما اختصار مطول أو شرح مختصر. تذكرت حينها المقولة المأثورة المشهورة «من علمني حرفًا صرت له عبدًا»، والمقولة الأخرى «من كان شيخه كتابه كان خطؤه أكثر من صوابه». وتذكرت أيضًا دراسة «الماجستير» المعنونة بـ«أحكام الأصوات الصادرة من الإنسان عدا الكلام».

هذا الحوار الحقيقي هو من منظوري يمثل أزمة فعلية في الدراسات الإسلامية المعاصرة، في ظل التطورات الهائلة والتسارع غير الطبيعي في شتى مجالات الحياة العلمية والعملية. انعزال العلماء الإسلاميين عن الواقع، وتركيزهم على التراث، كقاعدة للبناء عليه بصورة مطلقة من غير نقد أو تحليل، أو تركيزهم على المتغيرات الحالية، ومحاولة إيجاد الحلول السطحية من غير النظر في قضايا العمق، والجذورالتاريخية؛ لتفكيكها، يمثل السبب الأساسي للتراجع الإسلامي في الخطاب والسياسة والاقتصاد والتعايش وشتى جوانب الحياة.

الأمة الإسلامية تعيش في أزمات تتبعها أزمات من قديم الزمان، إلى حديثه، وهي كالسلسلة المترابطة، لا يمكن فصلها وحل مشاكلها بدون الترميم في الأساس؛ فالبنيان المتصدع الأساسات لا بد من ترميم أساساته؛ حتى يستقيم ونستطيع البناء عليه، أما ترميم المظهر فلن يفيد على المدى البعيد، وسيأتي اليوم الذي ينهدم فيه البنيان كاملًا كما يحدث الآن في الدول الأوروبية التي تخلت عن الدين، ووصفته أنه سبب الخراب والدمار والتخلف والجهل، لكن الأهم من هذا كله اليقين بأن الإصلاح ممكن، وأنه وإن انهدم البنيان أو اضطررنا لهدمه بأيدينا، فعملية إعادة البناء ليست مستحيلة إطلاقًا.

بدون كثرة حديث عن الواقع ومآلاته وآلامه، سأستعرض عددًا من الأسباب التي استوحيتها من الواقع الإسلامي العربي خصوصًا، وسأحاول طرح عدد من الحلول النظرية:

1- المنهجية العلمية البحثية من الطفولة إلى الجامعة:

الطفل في عالمنا العربي غالبًا ما يتربى منذ صغره على الاتباع الأعمى، و«سماع الكلام»، بدون نقاش، ونظرية «نفذ ثم ناقش»، وإلا فإنك ستضرب وتعاقب وستحرم من كثير من حقوقك الشخصية كفرد. ثم ينتقل الطفل لمرحلة أبعد من هذا؛ فتتم الوصاية عليه في كل أموره، بدءً من: ماذا سيأكل ويشرب، وماذا سيرتدي، وأين سيذهب، ويصاحب مَن، ويلعب مع مَن، وأي الكتب تقرأ، وكيف تقرأ وتحفظ، ثم أخيرًا: سيتزوج مِمَن وفي أية كلية سيدرس. هذا فيما يتعلق من الناحية الأسرية، أما من الناحية التعليمية في المدرسة، فإن نفس «السيناريو» يتكرر بصور أخرى تمامًا كما ذكرت في المقدمة في حواري مع صديقي في كلية الشريعة. وأيضًا يتكرر نفس السيناريو في المسجد وبيئة العمل وغيرها. هذه العوامل التي ربما نظنها بسيطة التأثير، هي في الحقيقة جوهر المشكلة وأحد أهم أسباب غياب المنظومة العلمية البحثية في حياتنا، وهي التي كررها الله في كتابه كثيرًا بالدعوة للبحث والتأمل، وهي لن تتم إلا بإقرار مبادئ الحرية التامة للفرد في نشأته، حتى يحلل ويفسر بطريقة إبداعية علمية.

 

2- غياب الرؤية والغاية والهدف الحقيقي لدى طلبة الدراسات الإسلامية:

أولًا لابد من التنشئة على الرؤية والغاية الحقيقية من خلق الإنسان في هذه الحياة، ألا وهي الوصول إلى الله، ثم بناء عليها، لابد أن يكون هدفك في أي عمل تقوم به في حياتك الوصول إلى الحق؛ لأن الله هو الحق، والوصول إلى الحق في بحثك العلمي ودراساتك جزء من وصولك إلى الله. في هذه الحالة ستتغير نظرة الباحث الإسلامي من مجرد كونه باحثًا لنيل درجة «الماجستير أو الدكتوراة» أو للحصول على وظيفة، ومرتب، ودرجة علمية معينة تضعه في موقع مرموق في مجتمعه، إلى مجتهد مخلص لا تهمه كم سنة يقضيها في دراسته ما دام هدفه الحقيقة.

 

3- غياب الرؤية والهدف الحقيقي لدى المنظمات الإسلامية:

إذا كنا نعاني من غياب الرؤية لدى الأشخاص، فإن الأهم منها غيابها لدى المنظمات والمؤسسات التعليمية، وخصوصًا الإسلامية. وضع الهدف من الدراسات والطلاب الخريجين ورسالاتهم العلمية تعمل على توجيه المخرجات لخدمة الغاية المنشودة وإرشاد الباحثين في دراساتهم نحو الأولويات التي يتطلبها عالمنا المعاصر المتسارع بوتيرة عالية. شرح المختصرات واختصار المطولات وأحكام الحيض والنفاس والأصوات الصادرة من الإنسان، كالأنين والبكاء والضراط لا تأتي في المقام الأول لمتطلبات واقعنا الذي ينتشر فيه الإلحاد كالنار في الهشيم والغزو الفكري الذي يداهمنا من كل جانب.

 

4- الانعزال عن العالم الخارجي لدى الباحث الإسلامي

الإسلام دين شامل متكامل لا يمكن فصله بأية حال من الأحوال عن المنظومة العالمية في شتى المجالات الطبية والهندسية والعلمية والتاريخية والجغرافية والسياسية، فكلها عوامل تتفاعل معه ويتفاعل معها بصورة مستمرة. فلا بد للباحث الإسلامي أن يكون لديه الأدوات التي تمكنه للوصول إلى العالم الخارجي، وأهمها في وقتنا الحالي هي «اللغة الإنجليزية»؛ حيث إن دراسة أثبتت أن 80% من الدراسات حول العالم تنشر باللغة الإنجليزية، وأيضا السفر والتنقل في العالم الخارجي كلها مهمة لتطوير الأدوات العلمية البحثية.

وأخيرًا فإن كل كلامي هذا في هذه المقالة هو كلام نظري مبني على الملاحظة فقط، ولذا فإنني أدعو إلى عمل دراسات علمية لتشخيص الواقع المعاصر، ومعرفة الأسباب، وإيجاد الحلول من جذورها، والابتعاد عن قضايا السطح، فالإصلاح الحقيقي يكمن بالتخلص من أصل الجرثومة والخلايا الخبيثة. وعمومًا أنا هنا لا أنكر التطور والنقلات النوعية التي تحصل في الخطاب الإسلامي، ولكن لا يزال هناك قصور كبير نراه على أرض الواقع في المجتمع الإسلامي ككل، وفي الخطاب الإسلامي والإسلام السياسي بشكل خاص؛ إذ لابد من تطبيق نتائج أبحاثتنا على أرض الواقع ولا تكون مجرد حبر على ورق، ولابد من فرض التغيير على كل المؤسسات المجتمعية، وأولها الأسرة؛ كونها أساس المجتمع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الدراسات
عرض التعليقات
تحميل المزيد