يرجع الفضل للشريعة الإسلامية في وضع أساس مبدأ “الأصل في المتهم البراءة”، ويعبر في الشريعة الإسلامية عن ذلك ببراءة الذمة، فالأصل في الإنسان براءة ذمته من الحقوق، وبراءة جسده من الحدود والقصاص والتعزيرات.

 

ومن القواعد الأصولية في الإسلام أن الإنسان يولد على الفطرة فلا يرتكب الجريمة، لأنها أمر شاذ وبالتالي فالأصل فيها العدم، والعدم يقين، واليقين لا يزول إلا بيقين مثله، فلا يزول بالشك، والأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت عكسه.

 

وبناء على ذلك فتبنى إدانة المتهم على دليل جازم يثبت التهمة ويرفع ما ثبت له أصلاً من افتراض البراءة، وحيث تفتقر الدعوى الجنائية إلى مثل هذا الدليل فإنه يتعين الحكم بتبرئة المتهم.

 

 معنى هذا الأصل:

إن مقاصد الشريعة الإسلامية من الأدلة القطعية الثابتة بالاستقراء الكلي لكل مصادرها؛ فأصل البراءة ، هو مقصد من مقاصد التشريع الإسلامي، وهو من المصطلحات التي يجب الالتزام به، والمحافظة عليه؛ لأنه يحمي الحقوق والحريات التي كفلت النصوص حمايتها.

 

وليس أدل على أن أصل البراءة من مقاصد التشريع الإسلامي قوله تعالى: “وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا”. فهذه الآية تدعو إلى ضرورة حماية البراءة  في كل إنسان من أن يصيبها العدوان من قبل متعمد، أو مخطئ يريد أن يقذف شخصًا هو في الأصل بريء، مما يوحي معها أن البراءة أمر هائل ثقيل الوزن في ميزان الله.

 

واختلف أهل التأويل فيمن عني الله بقوله بريئـًا، فقال بعضهم عنى الله عز وجل رجلاً من المسلمين يقال له: لبيد بن سهل ، وقال آخرون بل عنى به رجلاً من اليهود يقال له: زيد بن السمين.

 

فتعتبر البراءة في الإنسان أساسًا في الشريعة الإسلامية ، وذلك اعتمادًا على الكرامة التي منحها الله له بقوله: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا” .

 

أي جعلنا لهم شرفـًا وفضلاً – وهذه الكرامة يدخل فيها خلقهم على هذه الهيئة، ولذلك فالأصل في الأشياء الإباحة فما أحله الله فهو حلال، وما حرمه فهو حرام.

 

ومما يدل على أن الاتهام على خلاف الأصل قوله صلى الله عليه وسلم: “لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على المدعى عليه واليمين على من أنكر”.

 

ومما سبق نستخلص الآتي:

1 – حرص الإسلام على حفظ أموال الناس ودمائهم.

2 – من أصناف الناس من لا رادع عنده ولا تقوى، فيدَّعي دماء أناس وأموالهم إذا سنحت له الفرصة.

3 – أنه لا يحكم لأحد بمجرد دعواه، فلا تقبل دعوى أحد على أحد دون بينة.

4 – أنه يُبدأ بالمدعي عند التنازع.

5 – إذا لم يُقرِّ المدَّعى عليه، فإنَّ على المدَّعي إقامة البيِّنة على دعواه.

6 – أن المدعي إذا أقام بينة على دعواه حكم له بما ادعاه، لقوله –صلى الله عليه وسلم-:” لَكِنَّ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي” والبينة كل ما بان به الحق واتضح.

7 – أنه لا يجوز الحكم إلا بما رتبه الشرع، وإن غلب على الظن صدق المدعي.

8 – أن الأصل براءة المسلم من كل تهمة ونقيصة حتى تثبت ببينة.

9 – يوازن الشرع بين الحفاظ على حرمات المسلمين، ولذلك حرم مجرد اطلاق التهم، وبين إيصال الحقوق لهم ولذلك أوجب البينة، وهذا هو العدل الذي أمر الله به.

10 – أن اليمين على من أنكر دعوى المدعي؛ فإذا لم يجد المدعي بينة ولا شهودًا، فإن القاضي يطلب من المدعَى عليه أن يحلف أن ما ادعاه عليه المدعي غير صحيح، ويكون الحكم له بيمينه.

11 – أن لو أنكر المدعى عليه وأبى أن يحلف، فإنه يُقضى عليه بالنكول؛ ووجه ذلك أنه إذا أبى أن يحلف فقد امتنع مما يجب عليه، فيحكم عليه به.

12 – تعظيم اليمين، إذ به يقبل رد الدعوى إذا لم يكن بينة؛ ولذلك وردت السنة بالتحذير من اليمين الغموس؛ وهي اليمين الكاذبة التي يستقطع بها حق مسلم، فهي تغمس صاحبها في الإثم، وتغمسه في النار – عياذًا بالله تعالى.

 

قال العلماء الحكمة في ذلك لأن جانب المدعي ضعيف؛ لأنه خلاف الظاهر فكلف بالحجة القوية وهي البينة؛ لأنها لا تجلب لنفسها نفعًا ولا تدفع ضررًا، فيقوى بها ضعف المدعي، وجانب المدعي عليه قوي؛ لأن الأصل فراغ ذمته، فاكتفى منه باليمين، فكان ذلك في غاية الحكمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد