يقول فرج فودة: «في مجتمع الكفاية والعدل حيث يجد الخائف مأمنًا، والجائع طعامًا، والمشرد سكنًا، والإنسان كرامة، والمفكر حرية، والذمي حقًا كاملًا للمواطنة، يصعب الاعتراض على تطبيق الحدود بحجة القسوة، أو المطالبة بتأجيل تطبيقها بحجة المواءمة، أو عن قبول بارتكاب المعصية اتقاء لفتنة، أو تشبهًا بعمر فى تعطيله لحد السرقة في عام المجاعة، أو لجوءًا للتعزير في مجتمع يعز فيه الشهود العدول».

إن سائر المجتمعات تسير وفق مبدأ التطور وسيرورة التغيير، وتتفاعل فيما بينها ضمن علاقات تأثير متبادلة. ففي الوقت الذي يعيش فيه العالم مرحلة الثورة التكنولوجية والصناعية والفكرية، وعلى وجه الخصوص في العالم الغربي، لا زالت دول العالم الثالث ومن ضمنها الدول العربية، تعاني من عدة أزمات خانقة، تجعل الفرد يعيش في حلقة مفرغة لا مفر منها.

إن الطابع العام الذي ميز المجتمعات الإسلامية خلال القرن الماضي، هو الطابع المحافظ، الذي يستمد أصوله من الدين الإسلامي والثقافة العربية والأمازيغية والكردية، وجل مكونات المجتمعات الإسلامية. لكن مع مجيء الاستعمار والعولمة ثم ثورة تكنولوجيا الاتصالات، التي ساهمت بشكل كبير في فتح الحدود بين المجتمعات المختلفة، والمساهة في تقريب المعلومة وتلاقح الأفكار والثقافات، بحيث لم يعد المجتمع منغلقًا على ذاته، بل دخل ضمن حلقة تأثير وتأثر، الشيء الذي يعني أن التغيرات التي تحصل في مجتمع ما ستؤثر لا محالة بشكل أو بآخر في باقي المجتمعات الأخرى، ومن ضمنها المجتمعات العربية.

أدى التطور في العالم الغربي من خلال تراكم مر عبر سنوات من التجارب الفكرية والسياسية والسوسيواقتصادية بجلب مفاهيم ناشئة من الثقافة الغربية، غالبًا ما يشار إليها ببساطة بالمجتمع الغربي. جغرافيًا، أنها تغطي بلدان أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية وأستراليا ونيوزيلندا، وأحيانًا تشمل أيضًا أمريكا الجنوبية وإسرائيل. ثقافات وأنماط حياة جميع هذه المناطق تنبع من أوروبا الغربية. تتمتع جميعها باقتصادات قوية نسبيًا وحكومات مستقرة، والسماح بحرية الدين، والاختيار الديمقراطي كشكل من أشكال الحكم، وصالح الرأسمالية والتجارة الدولية، وتتأثر بشدة من جراء القيم اليهودية-المسيحية، وشكل ما من أشكال التحالف السياسي والعسكري أو التعاون فيما بينها.

في ظل كل هذا، لا زالت المجتمعات الإسلامية تعيش نوعًا من التخلف في جل المجالات، ففي المجال الاقتصادي، هي ذات اقتصاد ضعيف إلى متدهور في بعض البلدان نتيجة الحروب والثورات، أما من الناحية السياسية فكثير من الدول العربية كسوريا والعراق وليبيا واليمن تعيش نوعًا من الفراغ السياسي، نتيجة ثورات الربيع العربي. أما من الناحية الاجتماعية فتكفي مشاهدة الأخبار لتحيط بشكل مباشر بالأوضاع المعيشية المتردية داخل هذه الدول، ومن الناحية العلمية لا يختلف الأمر عما سبق التطرق له، فلا زالت الأمية منتشرة في بلدان كثيرة مثل المغرب وليبيا واليمن، والدول العربية لا تخصص سوى جزءًا هزيلًا من ميزانيتها للبحث العلمي، لكن لا ننفي أن بعض الدول تعيش نوعًا من الازدهار خصوصًا الدول النفطية مثل قطر والسعودية والإمارات.

إن هذه الأوضاع المتردية التي تعرفها هذه الدول تحول دون بنائها لأساس تطوري وتجربة خاصة تتناسب وبنياتها الاجتماعية والثقافية، مما تصبح معه خاضعة للتأثيرات الخارجية وصيرورة التغيير لمواكبة التطورات التي تعرفها الدول الأخرى، وبالتالي دخول أفكار ومعتقدات ومبادئ مخالفة تمامًا لما هو سائد ومعتاد. وهذا بفعل التطور التكنولوجي وكثرة وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي التي جعلت العالم قرية صغيرة.

في هذا السياق أضحت المجمتعات الاسلامية تعرف نوعًا من التقسيم الفئوي، ففي داخل المجتمع الواحد نجد فئات مختلفة، وكل فئة في شبه قطيعة مع الأخرى. ويمكن أن نجد في هذا الإطار أربع فئات:

الفئة الأولى: وهي الفئة المحافظة التي لا زالت متشبثة بالدين والمعتقدات والثقافة الأصيلة ولا تريد التخلي عنها، وتحن إلى العودة إلى الماضي ولا يروقها التغيير الحاصل داخل المجتمع. خصوصًا في المسائل التي تمس بالدين والأخلاق التي تربت عليها.

الفئة الثانية: وهي فئة الوسط، فئة انفتحت على الثقافة الغربية دون أن تتخلى عل المبادئ والتقاليد والأعراف، اي لم تتخلّ عن هويتها بشكل عام. فانتقت من الفكر والثقافة الغربية ما يفيدها، وابتعدت عما يؤثر عليها بشكل سلبي. وهذه هي الفئة الصائبة في رأيي.

الفئة الثالثة: ويمكن أن نطلق عليها فئة المتناقضات، بحيث تعيش في نوع من الجمع بين ما هو تقليدي محافظ وما هو حداثي، فتجد أن شخصا يصلي ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لكنه في نفس الوقت بشرب الخمر وله صديقات غير شرعيات لكنه يطلب المغفرة من الرب، أو تجد شخصًا يحب أن يرتدي ما يحلو له من اللباس، لكنه يمنع زوجته من فعل ذلك بدعوى مخالفة شريعة الله.

الفئة الرابعة: وهي الفئة التي أحدثث نوعًا من القطيعة مع التقاليد والمعتقدات المحافظة، وأصبحت تعيش وفق الطريقة الغربية، وتؤمن بالحرية بشكل كبير مثل حرية الاعتقاد وحرية اللباس… إلخ.

إن المجتمعات العربية تعيش مرحلة انتقالية مهمة تستدعي الاهتمام والحرص الكبير من أجل تجاوزها دون أن تؤثر بشكل يؤدي إلى هدم الروابط والبنيات الاجتماعية التي من شأنها الحفاظ على تماسك المجتمع والمساهمة في استقراره وازدهاره. لكن في نفس الوقت عليها مواكبة التغيير والتطور الذي تعرفه باقي المجتمعات والاهتمام بالتعليم والرفع من الوعي وتنوير عقلية الفرد بما يتناسب مع خصوصيتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد