في ظل التحديات التي تقابل الأمة الإسلامية الآن وضبابية المشهد الحالي قد نستفيد بمعرفة وتحليل بعض محاولات بناء دولة إسلامية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وإلغاء الخلافة العثمانية، تحليل تلك المحاولات للوقف على النتائج والاستفادة من الايجابيات وتجنب الأخطاء.

 

قد تختلف تلك الطريقة من جماعة إلى جماعة ومن بيئة إلى أخرى ولكنها تتشابه في ناحية الإجبار على بناء الدولة الإسلامية بالقوة، في حين علمتنا دروس التاريخ أن التحول الاجتماعي حين يتم بالإكراه فإنه يحدث إما أثر مؤقت وإما أثر معاكس، وحين يكون هذا التحول مرتكزًا على دعائم أخلاقية بالدرجة الأولى فان الإكراه فيه يرجح كفة الأثر السلبي والعكسي.

 

لذلك سوف نطرح في هذا المقال بعض المحاولات التي قامت منذ انتهاء الخلافة لبناء دوله إسلامية عن طريقة الإجبار.

 

1. أفغانستان (طالبان)
تحولت حركة طالبان من جماعة مجاهدة ضد الغزو السوفيتي، ثم التحول إلى فرض الأمن في عدة مدن بعد اجتياح الحرب ألأهلية وتحارب فصائل المعارضة على الحكم وهو ما أدى إلى التفاف طبقات من الشعب إلى الحركة، ثم التحول الكبير وإعلان الحكم الإسلامي على الأراضي التي تسيطر عليها قوات طالبان وأعلنها الملا محمد عمر قائد تنظيم طالبان في 1996 تشكيل حكومة إسلامية ثم بايعه أكثر من 1500 عالم أفغاني وسمي بعد ذلك بأمير المؤمنين ويعتبر الملا بمثابة خليفة يتم مبايعته من أهل الحل والعقد.

 

قامت بعد ذلك انتفاضات ضد حركة طالبان لكن الحركة بخبراتها العسكرية استطاعت أن تخمدها كلها، طالبان لا تعترف بالديمقراطية لأنها تعطي الشعب حق التشريع ووضع القانون وهذا مخالف لتعاليم الإسلام لذلك فالدستور وغيره من وسائل الديمقراطية لا توجد في دولة طالبان، طالبان تعتبر دولة بوليسية لكن بشرعية دينية تستند إليها فينتشر في الشوارع والطرقات أفراد التنظيم بأسلحتهم من اجل الحفاظ على الآداب العامة كما يطلق عليها (جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).

 

طالبان تحكم دولة أنهكتها الحرب والآثار التي خلفتها بعد انتهائها بوجود ملايين الألغام تقتل كل يوم بمعدل ثلاثة أشخاص وأكثر، بالإضافة إلى الحصار الاقتصادي لها فلا توجد موارد يستطيعون أن يسدوا بها احتياجات الشعب وتحت ضغط الفقر الشديد والحصار الاقتصادي سمحت طالبان بزيادة الإنتاج من محاصيل المخدرات.

 

2. السودان ( 3 يونيو انقلاب 1989)

في ذلك اليوم استولى بعض الضباط في الجيش السوداني على الحكم بقيادة (عمر حسن أحمد البشير) أحد كوادر الجبهة الإسلامية القومية في البداية حصل الانقلاب على تأييد واسع النطاق من الدول المجاورة لكن لم يدم كثيرًا ذلك التأييد مع وضوح الهوية الإسلامية في أفعال وتصريحات القادة الجدد بالإضافة إلى موقفها في حرب الخليج الأولى والثانية واستضافة بن لادن وكثير ممن يحسبهم النظام العالمي إرهابيين.

 

لم تكن الأجواء الخارجية تعاني من الاضطرابات لكن كانت هناك حرب كبيرة مشتعلة في جنوب السودان وذلك عقب إعلان تطبيق الشريعة الإسلامية والاعتماد عليها في كتابه دستور البلاد توحد المعارضة في التجمع الوطني الديمقراطي المعارض واستمرت الحرب بين العاصمة في الخرطوم والجنوب وتبني البشير لشعار (الجهاد الإسلامي) ضد القوات الجنوبية حتى انفصل جنوب السودان عن الشمال في 2011 كان نظام البشير في مجملة صدامي مع أي تدخل خارجي أو أية محاولة لتغيير شكل الدولة الإسلامية حتى مع الوضع الاقتصادي المنهار بسبب الحصار المفروض على السودان من القوى العظمى.

 

تلك تعتبر أهم المحاولات لبناء دوله إسلامية اعتمادًا على القوة الجبرية وحتى الآن تعتبر تلك الدول من أكثر الدول في العالم انقسامًا وفقرًا وجهلًا واضطهادًا لكن هناك نقطة مضيئة في التاريخ الإسلامي الحديث في مسألة بناء دولة إسلامية وذلك عن طريق الثورة الشعبية مثل ما حدث في إيران في سبعينات القرن الماضي عندما تحركت الملايين من الجماهير الغاضبة يتقدمهم في الصفوف الأولى فقهاء الدين، بالإضافة إلى مشعل الثورة وقائدها ومؤسس أول جمهورية إسلامية بعد سقوط الخلافة العثمانية “الخميني” وكيف استطاع عن طريق بعض الكلمات التي كانت تهرب إلى داخل إيران له أثر كبير على توحيد الجماهير خلفه تضحي بكل شيء من أجل تحقيق أفكار الخميني.

 

3. إيران (ثورة 1979)

إن النموذج الذي قدمته إيران في إقامة مجتمع مسلم عن طريق الثورة يحتاج إلى عملية دراسة ومراجعة كيفية توحيد مطالب المجتمع كله، والتفاف الشعب حول العلماء ورفع مطلب موحد وهو دولة إسلامية.

لم تفرض عليهم ولكنها كانت مطلب الشعب ضحى في سبيله بملايين من القتلى ومليارات الدولارات وانهيار الاقتصاد ومرافق الدولة وكل ذلك ولم تعترض الجماهير أو أن تقول مثلا (ولا يوم من أيامك يا شاه) بالعكس كانت تضحي بكل شيء من أجل الحلم من أجل الدولة الإسلامية الإيرانية والخروج من التابعية للنظام العالمي.

طرح النموذج الإيراني ليس تفضيلا له على باقي النماذج ولكن علينا أن نفهم جيدا كل النماذج التي مرت علينا ونحللها بشكل موضوعي محايد ثم نستخلص منها الدروس المستفادة وتجنب السقوط وتكرار نفس الأخطاء.

 

الخلاف المذهبي ليس هو سبب العداء مع إيران أكثر من العداء السياسي بحيث تتوطد علاقة المسلمين والعرب مع الشاه على الرغم من اتباعية الغرب وإسرائيل بينما تسوء العلاقة مع إيران حين تعادي أمريكا وإسرائيل وتساند المقاومة الفلسطينية، بمعنى أننا تخاصمنا مع إيران حينما كانت معنا وتصالحنا حين كانت ضدنا.

 

إن فكرة الانقلاب أو استخدام القوة على الوضع الحالي يفتح الباب أمام إكراه الناس على الالتزام بتلك القيم، لذلك على من يريد إقامة مجتمع إسلامي مستندًا إلى القوة والإكراه والقهر وغيرها من أدوات السلطات الغاشمة عليهم الحذر!

 

فالتغيير لا يتم إلا إذا انطلق من القاعدة بحيث يصبح خيارًا لدى الناس تنحاز إليه بإرادتها وليس بإجبارها على اتباع قيمها وتعاليمها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد