فلسفيًّا ولغويًّا، لا يَصح وَصف الدولة في الإسلام “بالدولة الإسلامية”؛ لأن ديننا هو الإسلام فالكلمة الرديفة لذلك ستكون “الدولة الدينية” وهي ليست كذلك إطلاقًا، إضافة إلى أن الإسلام لا يُختصر بدولة، فهو مادة خام لكل العلوم والحضارة والقيم والمبادئ ولكل البشر وليس للمسلمين فحسب. إلا أنه وعلى ما يبدو أن من يَنعت نفسهُ بذلك يطبق فكريًّا، شيئًا من الدولة الدينية كالدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش”، إضافة إلى “الجمهورية الإسلامية الإيرانية” كأشكال ثيوقراطية في الحكم.

فإذا أردت العودة إلى القرون الوسطى في أوروبا، فما عليك سوى الذهاب والعيش في كنف “داعش” دولة التخلف في العراق والشام، البعيدة كل البعد عن حقيقة الدولة المدنية في الإسلام. إن السمة الرئيسية التي اتسمت بها القرون الوسطى هي التخلف الفكري والديني الكنسي الذي دمج الدولة بالدين وأنتج دولة دينية (ثيوقراطية) ترى بأحقية الحكم للقساوسة والكهنة وأنهم مفوضون من الله في حكم البشر، ومن ينازعهم أو يخالفهم فقد نازع الله في ملكه!

إلا أن الفكر يولد وقت الأزمات، فردة الفعل الفكرية على دولة الكنيسة؛ كانت الدولة العلمانية وبالفصل التام في العلاقة بين الدين والدولة وهو شكل منحرف آخر أقل انحرافًا من الدمج في العلاقة بين الدين والدولة هذا على مستوى المجتمعات المسيحية. أما في المجتمعات الإسلامية ومنذ البعثة النبوية والعلاقة علاقة تأثير وتأثر بين الدين والدولة، أي أن الإسلام يتأثر بالدولة والسياسة، كما أن الدولة تتأثر بالدين، إلا أن المتطرفين والمنحرفين يُحاولون جاهدين تقديم مصالحهم وسيطرتهم على الدولة على حساب سمعة الإسلام وعلاقته بالدولة “كداعش” ونظام “ولاية الفقيه” في إيران اللذين لا يختلفان فكريًّا عن دولة الكنيسة الدينية في القرون الوسطى.

إن الرسول (ص) عندما بنى دولة المدينة، بناها على أساس وثيقة المدينة التي تُعد أول دستور يُكتب في التاريخ يُنظم العلاقة بين المكونات الدينية والتعددية داخل الدولة، كما وتُعد تلك الوثيقة بمثابة عقد اجتماعي بين الحاكم والمحكوم ومتضمنة للحقوق والواجبات بينهما وقد طبقتها الخِلافات الإسلامية من بعده (ص) كما واحترمت التعددية العرقية والدينية وأشركتهم في الحكم في بعض مناطقها. إلا أن هؤلاء كملالي طهران وملالي داعش لم يشركوا أحدًا في الحكم.

ناهيك عن طرد داعش للأقليات كالمسيحيين واليزيديين كما واغتصبوا بعض نساءهم وأخذوا أموالهم ومنازلهم، كما حاربت “داعش” الجميع: الأكراد والأتراك والسنة المعارضين والثوار، أما إيران فقد أقصت المكونات الأخرى كالعرب والأكراد والبلوش وغيرهم ونَصت على ذلك بمادة دستورية تمنع العمل السياسي من كان من غير الشيعة الإمامية، كما ونصت مادة دستورية أخرى على أن معاداة النظام السياسي هي بمثابة معاداة الله ورسوله !

إن الدولة الدينية تاريخيًّا، لم تكن أبدًا نابعة من الدين الإسلامي على مدى التاريخ بل ربما، ولا حتى الدين المسيحي، إنما نابعة من النفسيات المريضة التي توظف الإسلام وتستخدمه لتحقيق غاياتها وأهدافها، حتى أن نظام الخلافة في الإسلام يقصد به أن يكون الخليفة خليفة الرسول (ص) وليس حاكم بالنيابة عن الله في الأرض، ومعصوم من الخطأ فهؤلاء يَحكمون ويقتلون باسم الله وباسم الدين، والله ودينه منهم براء.

إن تطور وإصلاح الفكر السياسي يرتكز على تطور وإصلاح الفكر الديني في الأساس، والذي عادةً ما يحصل في وقت الأزمات الفكرية والسياسية والاقتصادية والدينية، وقد أنتجت أوروبا بعد أزمات القرون الوسطى والدولة الدينية، وكردة فعل على تلك المرحلة أنتجت الدولة العلمانية. فماذا سَتنتج لنا أزماتنا الفكرية والسياسية والأقتصادية والدينية في المستقبل؟ هل من الممكن أن يتطوير نظام الخلافة في الفكر الإسلامي ويُطبق في دولة إسلامية مستقبلًا؟ ولكن بعيدًا عن مشروع خلافة “داعش” الفوضوي الفاشل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد