على الرغم مما حمله عام 2011م للإسلاميين من رد للاعتبار، ومكافأة على الصبر الطويل في نضال مرير ضد أنظمة الطغيان، وظهور على الساحة السياسية بوصفهم رأس الحربة في مشروع التحرر من الاستبداد في المنطقة العربية؛ إلا أن أغلب الظن أن كثيرا من الإسلاميين ـ وخلال مدى قريب أو متوسط ـ سيحمل كثيرا من الذكرى السيئة لهذه العام وما جره على البنى الفكرية والتنظيمية الإسلامية من وبال كاد يعصف بها إن لم يفعل!

 

لقد كشفت ثورات العالم العربي وانتفاضاته ضعف البنية الفكرية في التنظيمات الإسلامية إلى أبعد الحدود، بل كشفت محدودية علمهم بالدولة وأدوات الحكم ومفاهيم السلطة، كما أنها وسعت الهوة بين الناس وبين الطرح الإسلامي للحكم والسيادة والدولة، إضافة إلى ما صنعه الواقع السياسي بعد الربيع العربي من استقطاب حاد بين فئاتٍ وشرائحَ مختلفةٍ في المجتمعات العربية؛ أسفرت عن ثورة مضادة أذهبت ريحُها ما تمكن الإسلاميون من حصاده في التجارب الديموقراطية الهشة إبان الانتصار الأولي الذي أحرزته الثوارت.

 

عانى الإسلاميون وعلى مدى ثلاثة عقود من جمود كبير في طرح الرؤى البديلة للواقع السياسي في المنطقة العربية، وخلال هذه المدة لم تشهد الساحة الفكرية منتجات معتبرة لطرح أفكار تحمل بدائل، أو حوارات جادة لإثراء المكتبة الإسلامية على مستوى الحكم والدولة؛ بل ظلت المدرسة الإسلامية تستبطن النموذج المعرفي الغربي ـ في هذه البابة ـ المصدّرَ في قوالب عربية، في تكرار مذهل لما أفرزه الإسلاميون بين أربعينيات القرن الماضي وسبعينياته بغض النظر عن تقلبات الغالب والمغلوب بين الاشتراكية والرأسمالية أو الماركسية والليبرالية؛ مع استثناءات يسيرة لم تشكل وعيا معرفيا إسلاميا واضح المعالم فيما كتبه الشيخان الغزالي والقرضاوي وغيرهما.

 

ومن هنا؛ سيطر مفهوم الأسلمة على نتاج الإسلاميين، وطبع كل معارفهم بالدولة والسيادة والسلطة، حتى أضحت مفردات؛ الديموقراطية، والفصل بين السلطات، وسيادة الشعب، مفاهيم إسلامية خالصة، تجري على ألسنة الإسلاميين أكثر من جريان مصطلحات الشريعة والحاكمية والخلافة!

 

كان من أبرز ما أظهره الإسلاميون في تعاملهم مع مفهوم الدولة هو غفلتهم عن التحيزات المتغلغلة في ثناياها، متعاملين معها بوصفها نظما إدراية صمّاء وكائنا اعتباريا لا دين ولا أيدولوجية له، أو باعتبارها مجموعة تجريبية من المؤسسات المتمايزة؛ (وهذا ـ وللمفارقة ـ مما يسوّق له العلمانيون للرد على المطالبين من الإسلاميين بدولة ذات مرجعية إسلامية)؛ متعامين بقصد أو بغير قصد عن تاريخانية مفهوم الدولة ونشأته، وما أحاط به وما رافقه من أحداث ومفاهيم ابتداء من معاهدة ويستفاليا وحتى انتهاء الحقبة الكولونيالية المباشرة واستمرار الكولونيالية الثقافية؛ مرورا بالثورة الفرنسية والحربين العالميتين الأولى والثانية.

 

يقول كارل شميت المفكر الألماني الشهير في كتابه الشهير اللاهوت السياسي “إن كل المفاهيم البارزة في النظرية الحديثة للدولة هي مفاهيم لاهوتية معلمنة”؛ ولو تتبعنا ذلك لوجدناه غاية في الدقة؛ فقد حلت “سيادة الشعب” محل “سيادة الله”، واحتل “الدستور” موقع “الكتاب المقدس”، وصار الوطن مقدسا عوض الكنيسة، والمقتول في سبيله “شهيدا”، كما استبدلت المواطنة بأخوة الدين!

 

يقول وائل حلاق في كتابه المهم الدولة المستحيلة “إن هناك خمس خواصٍّ تشكل الصورة التي يستحيل تصور الدولة الحديثة من دونها”؛ وهي:

 

  • الدولة الحديثة نتاج ظرف تاريخي محدد ذي أصل أوروبي في ثقافة محددة؛ أي أن منشأ الدولة الحديثة هي أوروبا بثقافتها وإنسانها وحدودها الجغرافية، وهي ـ أي أوروبا ـ المعمل الوحيد الذي أُنتجت فيه الدولة الحديثة وتطورت، وقد أكد هذا كارل شميت حين قال: “الدولة لم تكن ممكنة إلا في الغرب”.

 

  • البعد الميتافيزيقي في مفهوم السيادة؛ حيث إن في السيادة مضامين من أبرزها أنها كلية القدرة، وأنها تملأ الزمان والمكان، كما أنها لا تظهر إلا من خلال ما تنتجه وتنجزه، إضافة إلى أنها تقدم نفسها بوصفها مصدر الهوية، مما يجعل الإنسان جزءا منها ومنتَجا لها.

 

ومن خلال هذه المضامين يتضح الإحلال لمفهوم السيادة وللقانون الذي هو التعبير الأجلى عنها محل التصور المسيحي للإرادة الإلهية.

 

وهذا يستتبع حتما أن تكون الدولة ذات السيادة العلةَ الأسمى للوجود، “والهدفَ الذي يمكن التضحية بكافة الأهداف من أجله”؛ ومن هنا حصرا نفهم الممارسة السياسية اليوم في إمكان التضحية بالإنسان حفاظا على الدولة وكيانها، وبمعنى آخر يعيش هذا الإنسان تحت مظلة الدولة الحديثة، أي تحت إله آخر يوجه حياته ويسلبها في اللحظة التي يقررها هذا الإله!

 

  • الدولة هي المشرع الأوحد ضمن حدود إرادتها السيادية؛ وهو ما يعني أنها الفاعل الأعلى في كل تشريع حتى فيما يخص سلب الحياة أو وهبها؛ فلا مكان للتشريع من خارجها إلا في كونه خيارا لها، ليصبح حينذاك تعبيرا عن إرادتها!

 

  • الجهاز البيروقراطي العقلاني وهو الامتداد الطبيعي للنظام القانوني؛ والذي بحكم علاقاته المعقدة والمركبة مع النخب الحاكمة والمسيطرة لا يمكن أن يوفر إمكانية المساواة مع الجموع المحرومة في النظام الاجتماعي، وهو المعمل الذي ينتج عبر آليات معقدة رعايا الدولة الحديثة، كما أنه السبيل إلى السيطرة على المجتمع وصوغه والتحكم الكامل فيه لينتج في النهاية نخبة الدولة ومجتمعها.

 

  • الهيمنة والتوغل الثقافي المدمر لكل الوحدات الاجتماعية ـ الثقافية التقليدية السابقة على الدولة؛ حيث إنه ـ على سبيل المثال ـ “ومن خلال مدارس الدولة والتعليم الذي تنظمه الدولة تنشأ نخبة علمية نموذجية، ويعاد إنتاجها كمجال ثقافي يستجيب لتوغل الدولة العام في النظام الاجتماعي” من أجل صياغة الذات الوطنية. ومن هنا نتأكد من استحالة إمكان وجود فاعلية اجتماعية ثقافية مستقلة عن إرادة الدولة؛ إذ يناقض هذا وينفي جوهر الإرادة السيادية وهو ما تم الحديث عنه في الخاصية الثانية.

 

ضمن هذه الزوايا الحادة يزداد مأزق الإسلاميين وتتقلص خياراتهم في التعامل مع الدولة الحديثة؛ لينحصر ترددهم بين الانصراف عنها هروبا إلى الأمام، أو أسلمة مفاهيمها وقوعا في فخاخ تحيزاتها المتمثلة اليوم بسطوتها على الإنسان وتشويه فطرته وتدمير خصائصه.

 

من هنا كانت الفرضية التي تتخيلها النخب الإسلامية والعربية والتي تتمثل بكون الدولة “آلية لتنظيم الشؤون الاجتماعية المشتركة، أو أنها التعبير عن نجاح المجتمع في الوصول إلى توافقات وبناء مؤسسات تعكس تجاوز تجربة العنف، وتضمن استمرار السلام، ومن ثم الاستقرار والتعايش المديد بين السكان”؛ كانت هذه الفرضية نوعا من اليوتوبيا الحالمة لا وجود لها في ظل ما يشهده الواقع السياسي المعاش، ولا في ما آلت إليه حالة الدولة في كثير من بقاع الأرض، ولا يشهد له الصراع الدامي الذي يقضم المجتمعات ويقوض البنى الاجتماعية والتنظيمية في كل مكان.

 

إن ما يطارد الإسلاميين في يقظتهم وفي أحلامهم من كابوس ثقيل ظل يلاحقهم عقودا طويلة؛ تمثل في:

 

عزلة قسرية فرضتها عليهم أنظمة القهر والاستبداد، وإقصاء متعمد عن الحياة العامة؛ وتهميش بالغ أثر في أركيولوجيا الحركة الإسلامية ومعمارها؛ حقيقة لا شك فيها؛ وهي ما يدفهعم اليوم إلى رفض أطروحات تنقد الحداثة ومنتجاتها أو تنقضها؛ إذ تعيد هذه الطروحات إلى مخيالهم تلك الصورة القاتمة، وتخيل إليهم وجوب العودة إلى منافي الحياة بعيدا عن التأثير في المجتمع، معتبرين أن هذه الطروحات تفكير من خارج الدولة وهو ما يجعلهم في الحقيقة حبيسي التفكير داخل الدولة وما يفرضه هذا من قبول بالترميم والإصلاح الجزئي وهو ما كشف ربيع العرب بطلانه وضعف تأثيره.

 

إن المأمول من الإسلاميين اليوم وهم ورثة الشريعة الإسلامية بميراثها الأخلاقي المتين أن يصوغوا النموذج الأمثل الذي يساعد على أقل تقدير في التخفيف من تضخم الدولة على حساب الفرد والوحدات الاجتماعية، من خلال بناء علائق تشكل نظاما اجتماعيا سياسيا منبنيا على تجمعات إنسانية أخلاقية يعاد لها ثراؤها الروحي، بحسب وصف وائل حلاق.

 

المنظومة المعرفية الإسلامية وفي قراءة أولية لها من القرآن الكريم تساهم بما لا يدع مجالا للشك في إزاحة عبء تضخم الدولة على حساب أفرادها، وفي إعادة نصب الهرم على سويته الصحيحة؛ لتصحح من وضع الخطاب التكليفي الذي يستهدف الأمة قبل الأئمة، ويجعل من الأولى أصلا للثانية، ويوجه الخطاب للجماعة قبل الدولة، لتعود الأخيرة إلى حجمها الطبيعي بوصفها ووصف القائمين عليها مفوضين وموكلين من قبل الأمة بما تراه وفق آلية منضبطة.

 

ومن شواهد القرآن الكريم يستطلع الباحث أمثلة مختلفة على توجيه الخطاب نحو الأمة والجماعة، من غير ذكر للدولة أو الإمام أو تخصيص بأهل حل وعقد؛ حيث قال الله تعالى:

 

  • (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه)؛ الشورى
  • (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)؛ التوبة
  • (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا)؛ الحجرات

 

بل إن التكاليف المتعلقة بنصرة الدين والدفاع عنه والدعوة إليه مما وقر في الأذهان أنه خطاب لأولياء الأمر؛ هو في حقيقته خطاب للأمة كل الأمة؛ مما ينزع عن الدولة تكاليف ألصقتها بها الحداثة الغربية من استحداث الجيوش، وعقد اتفاقيات السلم وشن الحروب؛ في ملمح يعزز من فكرة حصر الدولة في مهام تفوضها بها الأمة عبر عقد سياسي يصوغه أفرادها.

 

وللدكتور أحمد الريسوني بحث في كتابه الأمة هي الأصل؛ يعود فيه إلى نصوص القرآن الكريم ليبين أن الخطاب القرآني برمته يدعو إلى تحجيم دور الدولة؛ حيث يخاطب الله الأمة والمجتمع بالتكاليف العبادية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومقاومة الفساد وحق الشورى. وفي التاريخ كثير مما يؤكد هذه النظرة المعلية من شأن المجتمع والمقدمة للأمة على الدولة.

 

ليس  بمقدور الإسلاميين اليوم أن يقوموا بصناعة نموذجهم الخاص بهم وبدولتهم المنشودة، وليس مطلوبا منهم أن يعتزلوا واقعهم السياسي وأن يختلوا بالكتب والأفكار المجردة وصولا إلى هذا النموذج؛ حتى لا يقعوا بين مطرقة الإرجاء السياسي وسندان البراغماتية النفعية؛ المطلوب اليوم هو تخفيف سطوة الدولة على أبنائها؛ وعوض أن يناضل الإسلاميون وشركاؤهم في الوطن للحصول على مقعد في برلمان، أو حقيبة في وزارة سبعة عقود أخرى؛ أن يفعلوا ذلك من أجل أن يمنعوا سطوة الدولة من التغول على فطر الناس وجبلاتهم!

 

ريثما يتمكنون من هدفهم الأسمى في صوغ نموذج يعلي من الإنسان بما هو إنسان مكرم من ربه، وقد قال سبحانه: (ولقد كرمنا بني آدم).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد