«لا يفتى ومالك في المدينة»

عبارة ذائعة الصيت في الفقه الإسلامي؛ وذلك للمكانة التي وصل إليها إمام دار الهجرة في مجال الإفتاء، ونتيجة لذلك لم يجرؤ أحد أن يتقدم لأي فتوى في المدينة بحضور الإمام مالك.

نعم بهذه الهيبة وإلى هذه المكانة بلغت مرتبة الإمام مالك في الاجتهاد والإفتاء، وبنفس تلك الهيبة وعلى ذلك المستوى يبرز لنا المفكر الإسلامي (مالك بن نبي) لكن هذه المرة ليس في ساحة الفقه، بل كان حظه في تحليل سلسلة الحضارة، والنهضة.

وبدورنا نقول : «لا يُفتى في قضايا الحضارة والنهضة وأفكار مالك بن نبي نجوم لامعةً في سماء الأمة الإسلامية»

ولكن للأسف أمة (اقرأ والقلم) قد طأطات رأسها إلى أسفل الأرض، ومنعت نفسها من النظر إلى السماء لمشاهدة قبسات نجوم هذا المفكر العملاق الذي ما زال إلى هذه اللحظة مهمشًا في أفكاره، ورؤيته النهضوية التي أراد أن ينفخها لجيل يبحث عن التغيير، وينشد آمال أمته التي تنتظر من الضمير الإسلامي أن يفيق من الكبوة التي أخرت مجاميع نهضة حقيقية.

«وبقيت أجنة مجهولة لم تخلق بعد» على حد تعبير الشاعر الكبير محمد إقبال.

لم تكن هذه المقدمة هي موضوع هذه الوقفة الثالثة الفكرية لمفكرنا العملاق بن نبي، والعنوان البارز أعلى هذه التدوينة هو واضح لعيان الجميع.

ولم يكن من التخطيط لطرح هذه الوقفات التي أحاول الحديث فيها عن شخصيات بارزةً في سماء الفكر الإسلامي، ولأن النقاش بين رمزين من رموز أعلام الفكر كان ناقشًا تتراوح فيه وجهات النظر. ويظل السؤال يبحث عن جواب، ولكن الحرص الذي راوح لسيد قطب، ومالك بن نبي وكذلك علي عزت بيجوفيتش في كتابه الإعلان الإسلامي تحت عنوان: «النهضة الإسلامية ثورة دينية أم سياسية» [1]

وكانت كل هذه الأجوبة هي توضيح هذه الجزئية من جزئيات الحضارة إن صح التعبير كما يقول البعض معضلة البحث عن جواب النهضة الذي يدور حول السؤال:

لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ يقول سيد قطب في كتابه «معالم في الطريق» [2] وتحت عنوان «الإسلام هو الحضارة». يقول فيه: «لقد كنت قد أعلنت مرة عن كتاب لي تحت الطبع بعنوان «نحو مجتمع إسلامي متحضر»، ثم عدت في الإعلان التالي فحذفت كلمة متحضر مكتفيًا بأنْ يكون عنوان البحث كما هو موضوعه «نحو مجتمع إسلامي»، ولفت هذا التعديل نظر كاتبٍ جزائري يكتبه بالفرنسية ففسَّره على أنَّه ناشئ عن عمليةِ دفاع نفسية داخلية عن الإسلام، وأسف لأنَّ هذه العملية – غير الواعية – تحرمني من مواجهة المشكلة على حقيقتها.

اعتقد سيد قطب أنَّ هذه الرواسب كانت تُغبِّش تصوره، وتطمس الرؤية الواضحة الصحيحة. فالاختلاف إذن هو على تعريف الحضارة.

ثم يقول قطب: أنا أعذر هذا الكاتب لقد كنت مثله من قبل كنت أفكر على النحو الذي يفكر هو عليه الآن والكاتب الجزائري الذي ذكره سيد قطب في هذا النص المنقول من كتابه معالم في الطريق هو مالك بن نبي،وكان قد صدر له كتاب بعنوان «مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي» يتوقف هنا سيد قطب وخلاصة قوله هو البحث عن إجابة سؤال النهضة الذي يبحث عن سبب تأخر المسلمون وتقدم غيرهم.سيد قطب يعتبر هذا السؤال من أصله خاطئ ويقول أن المسلمين تخلفوا لأنهم تركوا الإسلام فينبغي دعوتهم إليه من جديد فنعلمهم معنى لا إله إلا الله باعتبارها منهج حياة أما غيرهم فلم يتقدموا -أصلا –بل هم في جاهلية لأن الإسلام هو الحضارة…».

يحتاج تأمل

ربما هي أكثر فكرة توقفت عندها عند قراءة فكر مالك بن نبي وقد توقفت عند الكتاب السادس عشر من مجموعة كتبه البالغ عددها 26 كتابًا وما زالت خطة تفحص أفكار هذا المفكر مستمرة حتى النهاية بإذن الله تعالى. نظري الشخصي حول هذه المسألة التي سقناها ووجهات النظر المتعددة حول الحضارة وتأخر المسلمين وتقدم غيرهم بين سيد قطب ومالك بن نبي وغيرهم وكما كتب في ذلك شكيب أرسلان عندما قال: من أعظم أسباب تأخر المسلمين الجهل، الذي يجعل فيهم من لا يميز بين الخمر والخل، فيتقبل السفسطة قضية مسلمة، ولا يعرف أن يرد عليها ومن أعظم أسباب تأخر المسلمين العلم الناقص الذي هو أشد خطرًا من الجهل البسيط؛ لأن الجاهل إذا قيض الله له مرشدًا عالمًا أطاعه ولم يتفلسف عليه، فأما أصحاب العلم الناقص فهو لا يدري ولا يقتنع بأنه لا يدري وكما قيل: «ابتلاؤكم بمجنون خير من ابتلائكم بنصف مجنون». أقول: «ابتلاؤكم بجاهل خير من ابتلائكم بشبه عالم»[3].

وجهة نظر

أعتقد أن كل منهما يكمل إجابة الآخر، فلا مالك بن نبي انتصر على سيد قطب، ولا هذا الأخير انتصر على الأول، دعونا نبسط هذه المسألة قليلاً حتى تكون قراءتنا لهذه الفكرتان فيها إنصاف بدون تحايز ولا محابة في أحدهما دون الآخر، أولًا سيد قطب يرى الحضارة بمنظورها المثالي فهو يرى أن الإسلام هو الحضارة بنظرته إلى واقع الرسول والصحابة لأنهم أقاموا أعظم إمبرطورية إسلامية عرفها التاريخ فهو ينظر لواقع الجيل الأول من الصحابة، فكانت نظرته لمفهوم الحضارة نظرة أولية فهو لا يرى إلا هذا المفهوم الذي من الممكن أن ينطبق عليه مفهوم الحضارة الإسلامية.

أما مهندس الحضارة مالك بن نبي فكان ينظر لواقع هو يعيش فيه ويلقى اللوم على الإنسان الذي هو ركيزة إقامة حضارة، قد يكون الإنسان متحضرا وقد يكون غير ذلك الحضارة الإسلامية هي هذا التفاعل الجادُّ بين الإنسان والتراب والوحي، قد ينجح المسلم في هذا التفاعل فيصنع الحضارة، وقد يفشل- وهو المسلم – وينجح غيره أي غير المسلم، فينتج حضارة بقيم ونيات غير إسلامية؛ لأنَّه أحسن التعامل مع سُنَنِ الله توظيفًا جيدًا لعقله وللوقت وللتراب.

وقفة مهمة أخيرة لوقفات

فالمسلمون يمكنهم إذا أرادوا بعث العزائم وعملوا بما حرضهم عليه كتابهم أن يبلغوا مبالغ الأوروبيين والأمريكيين واليابانيين من العلم والارتقاء، وأن يبقوا على إسلامهم كما بقي أولئك على أديانهم، بل هم أولى بذلك وأحرى، فإن أولئك رجال ونحن رجال، وإنما الذي يعوزنا الأعمال، ويضرنا التشاؤم والاستخذاء وانقطاع الآمال، فلننفض غبار اليأس ولنتقدم إلى الأمام، ولنعلم أننا بالغو كل أمنية بالعمل والدأب والإقدام، وتحقيق شروط الإيمان، التي في القرآن.[4]
قال تعالى : (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) سورة العنكبوت «69»
وما زال سؤال النهضة يدور نظريًا حتى يصحو الضمير الإسلامي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد