من خلال الأحداث الجارية في المنطقة العربية، يبدو أن حركة الإخوان المسلمين عازمة على تنفيذ مشروعها الإسلامي، رغم العراقيل والطعنات الموجعة التي تتلقاها من الأنظمة القبلية والملكية والعسكرية في الوطن العربي، ورغم معارضة التيارات الليبرالية والاشتراكية والقومية والعلمانية والجماعات الإسلامية الأخرى كتيار السلفية والصوفية لهذه الحركة، ورغم المؤامرات الدولية التي تحاك ضد هذه الحركة. حينما خرج الإمام البناء في الربع الأول من القرن العشرين وأشهر اسم جماعته (جماعة الإخوان المسلمون) سرعان ما انتشرت فكرة حركته أرجاء المعمورة كالبرق الخاطف.

أراد البناء أن تصحح حركته بعض المفاهيم المغلوطة في الدين الإسلامي وأن لا يرفع في الوطن العربي والإسلامي أي راية سِوى راية الإسلام. ركز البناء على الشباب لنشر الوعي وحمل لواء العزة في الوطن العربي والإسلامي، بل في أنحاء المعمورة. كانت رسالة الشيخ حسن البناء للشباب كالتالي:

أيها الشباب! جددوا إيمانكم وحددوا غاياتكم وأهدافكم، وأول القوة الإيمان ونتيجة هذا الإيمان الوحدة، وعاقبة الوحدة النصر المؤزر المبين، فآمنوا وتآخوا واعلموا وترقبوا بعد ذلك النصر.. وبشر المومنين. إن العالم كله حائر مضطرب، وكل ما فيه من النظم قد عجز عن علاجه ولا دواء له إلا الإسلام، فتقدموا باسم الله لإنقاذه، فالجميع في انتظار المنقذ، ولن يكون المنقذ إلا رسالة الإسلام التي تحملون مشعلها وتبشرون بها.

استطاعت هذه الحركة أن تبصر الشعوب المقهورة بحقوقهم، كما نشرت فكر الاعتدال والوسطية في أنحاء العالم العربي والإسلامي، أما من يتهمها بالإرهاب اليوم فهو يغالط نفسه، فالقمع والقهر والظلم وتعذيب الأبرياء الذي تمارسه الأنظمة الشمولية في الوطن العربي ضد مواطنيها هو الذي ولد العنف والفوضى. انصهرت هذه الحركة في المجتمعات المسلمة وأصبحت فكرتها مقبولة عند المواطنين والشباب والأطباء… وإلخ. لكن الأنظمة القمعية ومن ورائهم المستعمر الغربي حسوا بخطر هذه الحركة فاغتالوا مؤسسها. لكن بقيت فكرته ولم تمت، بل على العكس، فقد زاد أنصار هذه الحركة في الشرق والغرب وبدأت تتكون في أكثر من بلد عربي، مثل اليمن والسودان والجزائر وتونس والمغرب وليبيا ودول الخليج والأردن والعراق وسوريا وفلسطين وتركيا وبكستان وبعض الدول الأخرى.

لم تركز هذه الحركة على الشعارات الفارغة التي بلا مضمون، بل كانت ولا زالت تركز على العمل. يقول الإمام حسن البناء، كلما وقفت هذا الموقف من جمهور يستمع، سألت الله في إلحاح أن يقرب اليوم الذي ندع فيه ميدان الكلام إلى ميدان العمل، وميدان وضع الخطط والمناهج إلى ميدان الإنفاذ والتحقيق، فقد طال الوقت الذي قضيناه خطباء متكلمين، والزمن يطالبنا في إلحاح بالأعمال الجدية المنتجة، والدنيا تأخذ بأسباب القوة والاستعداد، ونحن ما زلنا بعد في دنيا الأقاويل والأحلام. هذه الرسائل القوية التي كان يوجهها مؤسس الحركة الإسلامية تثبت وبما لا يدع مجالا للشك أن حركته حملت ولا زالت تحمل مشروعًا إسلاميًا نهضويًا، وليس شعارات فارغة كما تفعل الحركات اليسارية والطائفية. لكن، قوى الشر والأنظمة القمعية تكره أن ترى أي مشروع إسلامي يتحقق، وقد رأينا في العقود الماضية كيف كانت الأنظمة القومية العربية تزج بقادة الحركة الإسلامية في السجون وتقوم بتصفية البعض منهم خوفًا من أن يتمكن قادة هذه الحركة ويمسكوا بزمام الأمور في البلدان العربية المكلومة.

جاءت أحداث الربيع العربي وكانت الحركة الإسلامية في الصدارة في اليمن وسوريا ومصر وتونس وليبيا. شعر المواطن العربي ومعه قادة الحركات الإسلامية أن مشروعهم بدأ يجني ثمار 70 عامًا من العمل والجد والمثابرة وخدمة الناس. فرح الناس واستبشروا خيرًا لأن تركيا المسلمة خرجت من عباءة العلمانية الغربية وأصبحت مركزًا لقيادة العالم الإسلامي بقيادة القوي الأمين السيد رجب أردوغان، ومصر خرجت من حكم العسكر وهناك أكاديمي محنك دكتور- محمد مرسي يحمل فكرًا إسلاميًا ومشروعًا علميًا نهضويًا، وتونس خرجت من حكم الدكتاتور بن علي، وبدأت تسلك طريق العزة، واليمن خرجت من حكم الطبقة التقليدية الهاشمية القبلية، وليبيا خرجت من نظام الاشتراكية القومية، أما في سوريا الجريحة فقد كان الشعب السوري في طريقه للتخلص من مجرم دمشق ولا زال هذا الشعب يكافح حتى اللحظة ويسكب دماء أبنائه الزكية فوق أرضه من أجل العيش بكرامة.

خافت باقي الأنظمة التقليدية والملكية العربية من حركة الإخوان المسلمين حينما تصدروا المشهد سياسيًا وثقافيًا واقتصاديًا وإعلاميًا. قامت هذه الأنظمة بدعم الثورات المضادة وقاموا بقمع وقتل وسجن الأحرار وأجهضوا حلم أبناء الشعوب العربية في إقامة حكم إسلامي عادل يستمد شرعيته من كتاب الله وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ومن الشعب مباشرة. أجهض قادة الثورات المضادة الثورة المصرية في مصر الكنانة وزجوا برئيسها الشرعي وأبناء حزبه في السجون المظلمة واجهضوها في ليبيا وأدخلوا هذا البلد في دوامة عنف وأجهضوها في اليمن وأدخلوا هذا البلد الفقير المعدم في حرب أهلية ضروس. كما أجهضوا حلم الشباب السوري وتركوهم لقمة سائغة لمجرم دمشق وكاهن الضاحية والدب الروسي. تآمروا على الحكومة التركية ودعموا الانقلاب في يوليو (تموز) 2016، ولكن أبناء الحركة الإسلامية هناك ومن ورائهم الشعب التركي أجهضوا الانقلاب وانتصروا للمواطن وللقيم الديمقراطية والعدالة والتعايش.

أما في البلدان التي تحكمها أسر ملكية فقد قاموا بسجن أغلب أبناء الحركة الإسلامية وأودعوهم في سجون سرية ولا أحد يعلم مصيرهم حتى اللحظة.

إذًا تكره الأنظمة القمعية العربية جماعة الإخوان المسلمين؛ لأنها البديل الشرعي للأنظمة القمعية والملكية العربية، ولها مشروع فكري وسياسي واقتصادي وعلمي ناجح، ولن تكون أداة بيد المستعمر الغربي؛ لأن قادتها وأبناءها خرجوا من رحم المعاناة، ولم يساندهم لا ريغان ولا ترامب ولا إدارة بريطانيا ولا الشاباك الصهيوني.

والسؤال الأهم هل سيتحقق حلم الإمام البناء وتصبح حركته قائدة العالم الإسلامي؟ والجواب، تحقق جزء من حلم البناء في تركيا المسلمة. أما بالنسبة في الوطن العربي، فستشرق شمس الحرية قريبا وسينتصر الحق وستنتهي الأنظمة القمعية والملكية وتذوب كما يذوب الملح في الماء، والمسألة مسألة وقت. من وجهة نظر كاتب هذه السطور أن المستقبل سيكون لأهل الحق وللمظلومين والتاريخ علمنا الكثير وأبناء الحركة الإسلامية هم جزء من الذين ظلمتهم الأنظمة الدكتاتورية العربية. حفظ الله شعوبنا العربية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد