بهاء الدين يوسف 61
بهاء الدين يوسف 61

هذه ليست محاولة للانسياق باتجاه التيار العلماني الذي يذهب في كل الأوقات لانتقاد مظاهر الدين وعاداته في كل الفرص حين تُتاح، لكن ما أتيت لأخبر به القارئ هو أن علينا وصف المشهد كما هو يتكرر خمس مرات في اليوم حيث الأذان، ويتكرر مرتين في العام من حيث صلاة العيد، واثنين وخمسين مرة في الأسبوع من حيث خُطب الجمعة.

نحن لم نعد على سياق راقٍ في أداء شعائرنا وعبادتنا، يسهل على الناظر إلينا من بعيد أن يرى ما نفعله – بلا اكتراث له – أن ينفر من هذا الدين الذي يحول متبعيه لأناس همجيين حسب المشهد الذي نقوم بإخراجه في كل صلاة وفي كل مناسبة، بالرغم من أن تاريخنا الديني لم يكن فيه مثل تلك الأمور.

يرتبط في وجدان جيلي أن صوت الأذان الجميل مرتبط ارتباطًا جغرافيًا فقط في حياتنا، أي بالقول الأوضح أن على الشاب من هذا الجيل حين يود سماع أذان حسن الصوت أن يذهب إلى الجمالية والمناطق القديمة بالقاهرة، لوجود مؤذن مُكلف بتلك المهمة حسن الصوت، يتقن تنظيم صوته ولا يطلق نشازًا ولا صوتًا يفزع العابرين، أذان مثل الذي تسمعه بمسجد الحاكم بأمر الله والسلطان حسن والرفاعي.

بينما في حياة المسلم خصوصية للأذان ونوع من أنواع الراحة في العبادات يأتي من الإنصات له، ونحن جميعًا ولدنا وسمعنا قول الرسول صلى الله عليه وسلم لبلال بن رباح رضي الله عنه «أرحنا بها يا بلال»، ونعلم أن بلالًا كان مؤذن الرسول لحُسن صوته، وكثيرًا ما نقرأ في الكتب التي تتناول العصور الإسلامية في التاريخ العربي مظاهر العبادات وصوت المؤذن فيها.

نستطيع أخذ الفقرتين السابقتين لقول إننا صنعنا جُرمًا في حق صورة الإنسان المُسلم، أنا لا أدعوك حقيقةً أن تصدر الدين للغرب عن طريق الرضا بمظهرك وسلوكك، ولكي أوضح لك ما أريده، سآخذك إلى الخيط الثالث الذي أنتقل من بعده إلى غرض المقال، عندما ترى في الأعياد الأطفال الذين يصرخون في مكبرات الصوت، يقولون ما يتوجب أن يهدئ النفس بصوت لا يُرجى منه سوى الصرع، عليك أن تتساءل بكل بساطة، كيف أتى لذهن طفل حديث العهد بالدنيا أنه حين يقول «الله أكبر» يتوجب عليه أن تكون بتلك الطريقة البشعة.

إن ما نصدره من صور الهمجية في ممارسة العبادات لا يهمني إن كان للغرب كما يهمني للأطفال والمستقبل، عندما وُلدت حقيقةً لم أسمع صوت مؤذن مقبول في مصر، ولا أبحث حقيقةً عن أم كلثوم تطلق الفجر فالظهر ثم العصر وتتبعهم بالمغرب والعشاء، ولكني أود بكل بساطة ألا أفزع في بعض الأحيان.

شيء من الفظاعة أن يرتبط في جيلي صوت الأذان بالطرائف، حيث إن لكل من الذين قابلتهم في حياتي مواقف مع المساجد التي تجاور منزلهم، البعض قال لي «المؤذن كان بيتهته»، والآخرون قالوا «كان ألثغ»، وأنا حقيقةً لا أجد سعةً للضحك ولا أنا من الذين يسخرون من عجز الناس، لكني أستاء لما تفعله أيدينا بلا تأنيب ضمير.

لا يصعب علينا أن نجد شخصًا ذا صوت مقبول لكي يكون مؤذنًا، كل ما عليه أن يردد الكلمات بلا صراخ وبلا محاولة لقولها سريعًا، حتى إن كان تعداد المُصلين يقل مع الأيام، سنجد من الذين يحافظون على الصلاة رجلًا حسنًا في تلاوة القرآن، وما دام توفر فيه هذا الشرط يتوفر تباعًا الشرط الآخر أي قبول الصوت حين إطلاق الأذان.

نحن أيضًا لم نكتفِ بعدم تنظيم الأذان بل وخُطب الجمعة وغيرها من عادات الدين، كثيرًا ما نجد في كُتب التراث الإسلامي في المقدمة حديثًا عن حسن خطابة الإمام فلان في سن كذا، وإذا بحث القارئ في التراث الإسلامي عن معنى حسن الخطابة، فسيجد منها أمورًا حين سأسردها يُغم القارئ لغيابها من واقعنا الحالي، وشروط حُسن الخطابة يا سادتي تأتي من حسن اللغة أي لغة عربية فصحى لا تعيق سامعها في الفهم، وكثافة الخطب من حيث الوقت والموضوع، يطرح أكبر قدر من الموضوع في أقصر وقت له، وإتقان السند في الأقوال، بأن يأتي من القرآن والحديث ما يثبت كلامه، تلك الشروط الثلاثة كافية وشافية لكي تكون خطبة الجمعة نافعة للمُصلين، أما شرط الجمعة الغائب منذ زمان طويل، فهو أن تتفحص تلك الخطبة شأن الرعية، بمعنى أن تكون تلك الخطبة بمثابة تصريح عما يجري في المجتمع، وهي أسوأ الغياب.

كان في ماضي الشعوب المُسلمة عالم يجلس في المسجد من بعد صلاة العصر ومن بعد صلاة العشاء، لكي يُلقي على الناس دروسًا من التراث الديني، وكان الإمام الشافعي حين ذهب لطلب فقه أبي حنيفة النعمان في البداية طالبًا عن طريق تلك العادة لأحد العلماء، وكان الإمام النووي مثله، وإن أتينا في التاريخ العربي فسنجد سلطان العلماء العز بن عبد السلام كانت شعبيته في الأمة آتية من تلك العادة، وإذا قلبنا فيما حولنا وتساءلنا أين يسمع البسطاء موطأ مالك ورسالة الشافعي ومجمع أحكام نعمان ومسند ابن حنبل، لا ما وجدنا مكانًا لها.

إن الأزمة التي أنشدها ليست أزمة سياسية في أنظمة الحُكم، ولا هي أزمة في الأنظمة التعليمية يأتي حلها عن طريق تغير المناهج وإقامة الخطط، ولكني كل ما أود قوله إن الكسل والادعاء ما جعلنا همجًا وأشباه البهائم في كثير من الأوقات، نحن نعبد الكسل فلا نبحث عن حل لهذا الغياب الذي أتحدث عنه، ونحن ندعي جمال صوت الأذان وحسن خطبة الجمعة والعلم الذي أتقنه الناس دون سماعه فقط لكي نرضى عما نفعل دون الحاجة للبحث لحل المشكلات.

والحقيقة أن لكل مسجد مجموعة مُصلين، إن تخير من بينهم الناس رجلًا يقرأ عليهم من بعد صلاة العشاء في يوم الجمعة، ورجلًا يؤذن لهم مقبول الصوت، ورجلًا آخر يكتب خطبة الجمعة ويلقيها عليهم، لكان مثلنا مثل ماليزيا أو غيرها من الدول الإسلامية في آسيا، التي يتحدث العالم عن جمال المساجد فيها وتحضر المسلمين بها.

هذا الدين في هذا البلد مصيبته نحن وطريقتنا في التحليل، يستطيع الإنسان إدراك أنه في أزمة حقيقية حين يمس الأمر الطعام والشراب، أما إذا كان الأمر يمس التحضر والرُقي يلتمس منك الغفران من باب العفوية، وسؤالي الأخير للذين يرجون الغفران باتباع درب العفوية، هل كان من العفوية حفلة الهيفي ميتل في الأعياد؟ أم من العفوية صراخ الشيوخ والألفاظ؟ أم من العفوية يا سيدي الكريم صوت الأذان الذي فقد معناه؟ أم من العفوية أن يحفظ هذا الدين اللغة العربية من الزوال، ويصبح فيما بعد أهل اللغة العربية دعوة لزواله؟ قل لي ماهية تلك العفوية.

أنا لا أحاول إنكار الدين وعاداته وهدم أركانه كما سيردد البعض فيما بعد القراءة حينما ينتقدون كلامي، ولكني أقترح عليكم أن تقوموا بتنظيم صفوفكم، وربما نجد في المجتمع الإسلامي العديد من الجمعيات التي اتخذت تلك الخطوة، مثل الجمعيات الشرعية في بعض القرى والخيرية التي اتخذت من أحد المساجد مقرًا لها، تجد فيها عالم دين ومؤذنًا وخطيبًا جيدًا.

إن لم نغير طريقتنا في أداء العبادات، واتخذنا من التراث العريق احترام القدماء لدينهم ودور العبادة، فسنجد في المستقبل أبناءنا حين يكبرون ينفرون أنفسهم من هذا الدين الذي يُمارس بشكل – أحاول حفظ لساني في قوله – بسبب تكاسل أغلب متبعيه في هذا البلد وتعنتهم، وأرجو أن أكون أوضحت لك حاجتنا الحقيقية في تنظيم أنفسنا وتهذيبها.

أسميت المقال حسب موقفي، أنا لا أرفض صوت الأذان في الشارع بل أحبه، سافرت بلدانًا لم يكن صوت الأذان فيها وكنت أشتاق إليه، ولكني صراحةً أكره صوت الأذان في مصر، لأنه يقول لي إنني مغلوب على أمري، وإنني أسمع صوت رجل يشوه الدين، لم يكن الإسلام محتاجًا لشخص يقوم بغناء هذه الكلمات، ولكنه في أقصى الحاجة إلى رجل ذي صوت مقبول يرددها، أنا لا أرفض الأذان ولكني أكره سماعه في هذا البلد، ولا أود منع سماعه ولكني أود تغيير المؤذن، أرجو من السادة الكرام تفهم موقفي، والأهم من هذا التفهم أن يمد المنصفون منهم يد العون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك